‏إظهار الرسائل ذات التسميات رأي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رأي. إظهار كافة الرسائل

من مشكلاتنا الحضاريَّة "الماضَويَّة الاسْتغراقيَّة"

0
منْ مُشكلاتنا الحضاريَّة:
 "المَاضَويَّة الاسْتغراقيَّة"
إني لأعجب ممن يتكلمون عن مشروعات التقسيم في المنطقة ويُحذّرون منها وكأنهم بعيدين عن عمليات الفرز الديموغرافي وفق جغرافيات سياسية التي يتم تقاسمها وتقسيمها دوليًّا وإقليميًّا، ولا يعيشون ذلك واقعًا مفروضًا في حياتهم اليومية الذي أصبحوا جزء منه ومشاركين فيه بطريقة أو أخرى.
فهناك فرق كبير في التعامل مع الواقع المُعاش لتحسين ظروفه وبين التعامل مع الواقع الذي نعيشه وكأنه لم يقع بعد ولا نكتشف إلا متأخرين أن هذا الواقع أصبح من الماضي وغير قادرين على التأثير في مجرياته لا سلبًا ولا إيجابًا.
إذًا لماذا نحن نبحث دائمًا عن إجابات حول ما حدث في الماضي وربما الماضي البعيد جدًّا أو ننتظر الحاضر حتى يصبح ماضيًا لنتعامل معه ولا نبحث عن الإجابة عما يحدث الآن في الحاضر ليكون لنا دور فيه - إن لم يكن على سبيل التأثير فليكن على سبيل المعرفة على الأقل - لتكون صورة المستقبل واضحة أمامنا؟!.
نحن يجب أن نتساءل عن المُشاهد والمُعاش وليس عن عالم الغيب - النسبي والمطلق - نتساءل عن الانقسام المجتمعي السوري، نتساءل عن التغيير الديموغرافي سواء عن طريق الحرب أو الاتفاقات التي تشارك فيها كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، نتساءل عن سبب وجود القوى العسكرية المتعددة المتصارعة في المنطقة على حساب دم أبنائها، نتساءل عن أهداف معركة حماة الأخيرة وعن معركة ريف دمشق، وعما يجري في جنيف وكذلك في الأستانا،.... أليس كل ما يجري يبلور صورة لمشهد مستقبلي جديد في سوريا والمنطقة على مستوى الجغرافيا والديموغرافيا؟!!!.
إن صورة المشهد في المنطقة بشكل عام وبسوريا بشكل خاص متغيرة جذريًّا عن الماضي، وإن صورة ما قبل 2011 جغرافيًّا وديموغرافيًّا هي ليست التي نراها اليوم 2017 ولن تكون كذلك مستقبلًا وبالتالي إن أي حل - وإن ما زال بعيدًا -  يستحيل أن يعود إلى الماضي ويبني عليه، وإنما سيُراعي التغيير الجغرافي والديموغرافي الحاصل والمقصود بذاته من قبل كافة الأطراف.
إن تبلور الصورة المستقبلية للمشهد السوري والمنطقة يجب أن يُراعى فيها حركة "السنَة السياسية" وليس "السنة الزمنية" -(على اعتبار كل سنة سياسية تساوي مئة سنة زمنية) - في صناعة الأحداث فيها وبالتالي يجب التعامل مع الحاضر كما هو في الواقع لرسم صورة المستقبل بدلًا من العيش على صورة الماضي التي لن تتكرر مرة أخرى، أو الانتظار للمستقبل الذي يصنعه غيرنا وفق مصالحه الذي قد لا ندركه، ولكن بلا شك ستُحملّنا الأجيال القادمة وزره، وبخاصة إذا غرقت بالمدرسة "الماضَويَّة الاستغراقيّة" التي نعيشها منذ قرون طويلة بينما الأمم الأخرى انطلقت نحو المدرسة "المُستقبليّة الاستشرافيّة"، وشتّان ما بين المدرستين، مدرسة تعيش الحاضر في صورة الماضي ومدرسة تعيش الحاضر بصورة المستقبل!.
إن أول قواعد الثورات الناجحة أن تُبنى على مستوى الفرد والجماعة وفق المدرسة "المستقبليّة الاستشرافيّة" وليس على أسس المدرسة "الماضَويَّة الاستغراقيَّة" التي يعمل الطغاة في كل عصر على تكريسها في شعوبهم وذلك حتى إذا ما ثاروا يومًا عليه كان نصيبهم الفشل لأنهم يريدون الرجوع إلى الوراء في عملية التغيير بينما الطغاة يعملون جهدهم كي يستمروا ولو ليوم واحد في المستقبل سواء بأنفسهم أو بغيرهم الذين يحملون صفاتهم.

إن الثورات هي تغيير جذري في عالم الأفكار من "الماضَويَّة الاستغراقيَّة" إلى "المُستقبليَّة الاستشرافيَّة" وليست تغييرًا في عالم الأشخاص والأشياء التي لا تعني سوى استبدال طُغاة مُستبدّين بآخرين بأشكال أخرى وبأدوات جديدة لا أكثر ولا أقل.

جنيف4 ومثيلاته ملهاةٌ على حساب دماء السّوريين

0
جنيف4 ومثيلاته ملهاةٌ على حساب دماء السّوريين
لم يَعقِدِ الكثيرُ مِن السوريين - بمَن فيهم مَن ذَهب إلى جنيف -أيَّةَ آمالٍ على محادثات مجنيف4 للاعتقاد بأنَّ حلَّ القضية السورية هو حل دولي ضمن تفاهماتٍ إقليميةٍ، وليس كما يُزعمُ ويُروّجُ إعلاميًّا في مثل هذه المؤتمرات أنَّ الحلَّ "سوري" "سوري" وأنه سياسي وليس عسكري وغير ذلك من المصطلحات التي لا تجد لها أرضية على أرض الواقع.
إنَّ تدويلَ القضية السورية وأقلمَتَها جعلتْ مِن الصعوبة لطرفٍ دولي أو إقليمي أنْ يَمتلكَ القدرةَ على فرضِ الحل الذي يُريده مُنفردًا، وإذا كانَ الأمرُ على هذا الحال فإنَّ القضيةَ السورية سواء في مجرياتها العسكرية والسياسية فإنها خرجتْ مِن أيدي السوريين ويَصعُبُ عودةُ بها كقضية محلية باستثناء الدور الوظيفي الذي يخدمُ الأجندةَ الدولية والإقليمية ويُساقُ إلى تنفيذها ويدفعها ثمنَها السوريون وحدهم.

إذًا فمن خلال مجريات جنيف4 الذي لا يمكنُ القولُ: إنه فشل أو نجح في بعض الجوانب لأنَّ الهدفَ لمْ يكنْ كذلك ولم يُتوقّع منه أيضًا ذلك من قِبل جميع الأطراف التي دُعيت إليه، وبالتالي لنْ يكونَ له انعكاساتٌ ميدانيةٌ على مجريات الأحداث الميدانية التي يَجري الاتفاقُ عليها ورسم خطوط النفوذ فيها بعيدًا عن جنيف وعن الآستانة وبعيدًا عن الأطراف المحلية السورية أيضًا، وتُنفّذُ بناءً على تلك الاتفاقيات الثنائية الدولية والإقليمية  وليس بناءً على المحادثات "المظلة" المُفرَّغة من محتواها قبل انعقادها، واختزالها بأمورٍ إجرائيةٍ وشكليةٍ لنْ تنتهي إلى شيءٍ مؤثرٍ في مسارات القضية السورية التي ما زالَ من المبكر القولُ: إن مُقارباتِ حلِّها قد تبلوَرَتْ بين الأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة فيها، ولهذا الانتظار الثقيل مازال هو سيّد الموقف!.

من معالم التقسيم الوظيفي!!

0
من معالم التقسيم الوظيفي!!

تَشهدُ الساحةُ السوريةُ الثوريةُ انقسامًا وفرزًا حادًّا متسارعًا لمْ يعدْ يقتصرُ هذه المرة على حركةِ المقاتلين وتنقلاتهم إلى هذه الجهة أو تلك الجهة وتموضعهم فيها وإنما تجاوزَ إلى الحاضنة في بُعدها الجغرافي أيضًا، وهذا مؤشرٌ خطيرٌ ومقدماتٌ لانقسامٍ مجتمعيٍّ في الساحة الثورية على أُسسٍ أيديولوجية يتحصنُ كلُّ فريقٍ من خلالها بحاضنته المدنية الخاصة به، والعمل على إدخالها وإشراكها في الصراع بين الطرفين، وتحمل تبعات وأعباء وتكاليف هذا الانقسام والفرز الذي تشهدُه الساحةُ الثورية السورية للمرة الثانية على النمط الذي حصل مع ظهورِ "تنظيم الدولة" عام (2014) الذي ما زالتِ الحاضنةُ الثوريةُ هي التي تدفعُ ثمنَه الباهظَ الذي فاقَ كلَّ التصورات والإمكانات البشرية في قدرتها على التحمل، وكانت أحدَ أهمِّ الأسباب التي قسمتْ ظهرَ الثورة من الداخل وأدَّتْ إلى ما آلت إليه لصالح النِّظَام في غالبية المناطق وكانَ آخرُها معركةَ حلب وإعادة احتلالها من قبله.

إنَّ اختلاطَ القُوى الثورية على اختلاف أيديولوجيتها وخلافاتها وصراعاتها البينية هو مظلة حماية مهما كانتْ هشةً أمام العدو. وتَبقى المعاناةُ والمصائبُ عاملَ تقاربٍ في الحاضنة الثورية، وعامل مؤثر إيجابي على المقاتلين. ولكن في الفرز سيكونُ عكسُ ذلك تمامًا وتداعياته الخطيرة سترتسم معالمها القاسية على المشهد السوري من خلال مجريات الأحداث الميدانية والحراك السياسي في الأيام القادمة.

إشْكاليَّةُ الحراكِ السِّياسيِّ الفَصائليِّ

0
إشْكاليَّةُ الحراكِ السِّياسيِّ الفَصائليِّ
لمْ تُفْرزِ الفصائلُ العسكريةُ الثورية السورية حراكًا سياسيًّا نوعيًّا مميزًا قادرًا على تمثيل الثورة والحضور في الساحة الدولية والإقليمية والمحلية على النحو الذي يتناسبُ مع القضية السورية وتعقيداتها وتشعباتها، ولمْ يستطعْ تشكيلَ جسمٍ سياسي عسكري بدِيلٍ عن النِّظَام في المناطق المحررة، وأنْ يُشكل خيارًا واضحًا يمكنه أنْ يتكلمَ باسم الشعب السوري بعيدًا عن الفصائلية والحزبية والانقسامات الأيديولوجية التي تحكمت في الحراك السياسي وأقصته غايةَ الإقصاء والتهميش ولمْ تجعل منه إلا حالةً استثنائيةً ظرفية كان لها أثرُها السلبيُّ على الثورة أكثر بكثير من الجانب الإيجابي الذي اقتصرَ بشكلٍ محدودٍ على الفصيل على حساب علاقته بالفصائل الأخرى من ناحيةٍ وعلى الثورة السورية بشكلٍ عامٍّ من ناحيةٍ أخرى.
لا شك مِن نماذج ذلك الحراك السياسي السلبي مَا جرى بخصوص "الزبداني والفوعة" وكذلك ما جَرى تسريبُه والحديثُ عنه مؤخرًا بين بعض الفصائل وروسيا في أنقرة. حيثُ وَفق التسريبات الإعلامية أنَّ العاصمةَ التركية أنقرة احتضنتْ لعدَّةِ أيامٍ مفاوضاتٍ سريةً جمعتْ فصائلَ عسكريةً سوريةً مع وزارة الدفاع الروسية على أملِ التوصلِ إلى اتفاقٍ بخصوص حلب. حيث انطلقتِ التكهناتُ عن أسماء الفصائل المشاركة وهل كانت محادثات أم مفاوضات أو اقتصرت على استشاراتٍ أو نقاشات حول أفكارٍ معينة كمرحلة أولى، وهل كانتِ اللقاءاتُ مباشرةً أو غير مباشرة أو كانت عن طريق وسيط، وما هو الدورُ التركي في ذلك، وهل غاب الإيرانيُّ عنها ولماذا، ولماذا جرتْ بعيدًا عن المشاركة الأمريكية في هذا التوقيت الحرج؟ ...فهناك أسئلةٌ كثيرةٌ جدًّا دارتْ حول تلك اللقاءات وما سرب منها لنْ تجدَ لها جوابًا واضحًا باستثناء أن ما جرى هو عبارةٌ عن حراك سياسي روسي بامتياز استطاعتْ أن تُحققَ من خلاله أهدافًا عديدةً على المستوى السياسي والعسكري وبخاصةٍ في مدينة حلب بينما الفصائل خسرتْ في هذه المحاولة الخجولة الملتبسة التي طغى عليها جانبُ السرية حيثُ لمْ تقتصرِ الآثارُ السلبيةُ على الفصائل المشاركة فقط وإنما كانت لها ارتداداتها المباشرة على مجريات الميدان في حلب لاسيما بعد الإشارة الأمريكية الخطيرة بضرورة خروج كل المقاتلين من حلب في حين كان الجانبُ الروسي يتحدث عن خروجِ مقاتلين بعينهم من حلب ويناقشون الأعدادَ، الأمر الذي فجَّرَ ما كان يجري بين الفصائل وروسيا في أنقرة فظهرتْ تصريحاتٌ مرتبكةٌ لممثلينَ من تلك الفصائل المشاركة وركَّزوا على رفضهم الإشارة الأمريكية التي لاقتْ صدى إيجابيًّا لدى الروس الذين سرعان ما أداروا ظهورهم لتلك الفصائل بعدما تحققَ الهدفُ السياسي والعسكري من وراء ذلك.
لقدِ استطاعتْ أمريكا أن تُفشلَ ما يَجري في أنقرةَ بين الفصائل وروسيا بإشارةٍ منها لكي تتحوَّل روسيا إليها من أجلِ التفاوض على إخراج جميع الفصائل من مدينة حلب، حيثُ من الملاحظ أنه وبعد الاستجابة الروسية السريعة لذلك عادت أمريكا لتفرض أجندتها على الساحة السورية وتعبر عن عدم رضاها عمَّا كان يجري في أنقرة بعيدًا عن مشاركتها.  ولعلها بتلك الإشارة الخطيرة استهدفتْ كلَّ الأطراف التي في أنقرة وعلى وجه التحديد روسيا التي رأتْ في الإشارة بداية أنها تحقق طموحاتها في القضية السورية واستراتيجيتها في حلب، لكنها بعد ذلك كان لها موقفٌ مرتبكٌ عبَّرَ عنه لافروف بقوله: "طلب مني كيري دعمَ وثيقةٍ تتَّفقُ مع رؤية روسيا لسحبِ المسلحين من حلب، ولكن فجأة تلقّينا، يوم الإثنين، رسالةً تقولُ إنهم -للأسف-لا يمكنهم عقد لقاء معنا، الأربعاء؛ لأنهم غيّروا رأيهم وسحبوا الوثيقة، والآن لديهم وثيقة جديدة تعيد كل شيء إلى نقطة الصفر". وإذا كان هذا حالُ روسيا بعد سماع الإشارة الأمريكية وتنصلها من طروحاتها مع الفصائل التي اجتمعتْ معها في أنقرة والتي لا يوجد ما يثبت صحتها أو ينفيها للسرية التي حرصتْ عليها كلُّ الأطراف، فكيفَ هو حالُ الفصائل تلك سياسيًّا، وبماذا رجعوا على الواقع الميداني على الأرض؟!.
قد لا تكونُ الإشكاليَّةُ أنْ تتمَّ المفاوضاتُ أو المحادثات مع الأعداء وعلى رأسهم روسيا التي باتتْ محتلة في سوريا وتقتل شعبها وتدمر بنيانهم  لتحقيق أهداف بعينها سواء كانت المفاوضات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، لكن الإشكالية أن يتمَّ ذلك ضمن انتقائيةٍ مغرضة من بين القوى الثورية العاملة على ساحة واحدة كما في مدينة حلب، وأن ألا يكون ذلك ضمنَ تنسيقٍ مسبقٍ بين الجميع ليكون الوفدُ المفاوض مُمثلًا لها وليس كل شخص ممثلًا لفصيله أو جزء من فصيله، وأن تكون تلك المحادثاتُ سريةً في شكلها ومضمونها بهذا التوقيت وفي هذه الظروف مكَّنتِ العدوَّ من الاستفادة من جميع النواحي السياسية والعسكرية لا سيما من خلال تسريب مجرياتها على النحو الذي يحقق به أهدافًا سياسية وعسكرية من دون التوصل إلى شيء من خلالها.  وهو بالتأكيد ما كان يريده منها، وبخاصةٍ أنَّ روسيا لاسيما بعد تدخلها العسكري في سوريا سعتْ إلى فتحِ قنواتٍ للتواصل مع كل القوى الثورية العاملة على الأرض بشكلٍ منفردٍ ضمن خطَّةٍ لتفريقها وتحييد ما يمكن تحييده منها ضمنَ اتفاقياتٍ هزيلةٍ تحت ضغط الحصار والنار، ثم تحرص في خطوةٍ لاحقة على الكشف عنها عن طريق تسريبات مقصودة ومبالغ فيها كأحد وسائل الحرب التي يمكنها من خلالها أنْ تفرقَ صفوفَ القوى الثورية وتزعزعَ تماسكها وثقتها ببعضها وتجعلَ كلًّا منها يَحرص على الاهتمام بشأنه الخاص الجغرافي والفصائلي بعيدًا عن الآخرين.
لكن ماذا لو كان الوفدُ يُمثِّلُ غالبيةَ القوى الثورية على الأرض وعلنيًّا سواء أكان ذلك بمحادثاتٍ مباشرة أو غير مباشرة ضمن تحديد جوهر المناقشات من دون التطرق إلى تفصيلاتها والإعلان عن الخطوات التي بذلت في ذلك، وأن تكون هناك استراتيجيةٌ ضمنيَّةٌ تُحددُ الهدفَ من المحادثات أو المفاوضات وتطالب بمشاركة أممية وإقليمية تحقق على الأقل من خلالها اعترافًا بها وبمشروعيتها التمثيلية ليكون لها دور مستقبلي في الخطوات اللاحقة ضمن مشروعٍ متماسكٍ متَّفقٍ عليه من غالبية القوى الثورية وليس من قبل الأطراف الدولية والإقليمية التي تحرص على الانتقائية التي تخدم مصالحها، ويعمل هذا الوفدُ من خلال هذا المشروع على تلبية مطالب الشعب الذي احتضن الثورةَ وقدم تضحياته في سبيلها ويكون ممثلًا له وليس لفصائل وصلت إلى مرحلة أصبحت عبئًا عليه بسب كثرة اختلافاتها وانقساماتها وصراعاتها التي أبعدتها عن مسارِ القاعدة الشعبية للثورة وجعلتْ من غالبيتها تسيرُ كأداةٍ وظيفيَّةٍ ضمن الأجندة الدولية والإقليمية.
إنَّ إشكاليةَ الحراك السياسي الفصائلي كان عقدةً من عقد القضية السورية وتشابكاتها الدولية والإقليمية ويبدو أنَّ هذه العقدة لن تحلَّ إلَّا من خلال انتهاء الدور الفصائلي الذي غلب عليه مؤخرًا الدورُ الوظيفي، وانبثاق حراك ثوري جديد ستفرض معالمه المرحلة القادمة ومُفرزاتها.
الدكتور جبر الهلُّول


حراكٌ سياسيٌّ بعد فواتِ الأوان؟!!

0
حراكٌ سياسيٌّ بعد فواتِ الأوان؟!!

عادَ الحراكُ السياسيُّ الدوليُّ والإقليميُّ يتصاعدُ على وقع المجرياتِ العسكرية الميدانية التي تجري في حلب على النحو الذي يعكسُ الارتباطَ الوثيقَ بينَ الحراك السياسي والحراك العسكري ودور الأطراف الدولية والإقليمية والمحلية في ذلك. لكن لا شكَّ أنَّ عودةَ تصاعد الحراك السياسي من جديد المرتبط بالحملة الهمجية للعدوان الثلاثي الذي تقودُه روسيا على مدينة حلب يأخذُ في حسبانه المتغيرات الجيوسياسية على الأرض نتيجة لهذه الحملة التي فرضتْ واقعًا جديدًا، حيثُ يجري العملُ على ترجمةِ هذا المتغيرات إلى تسوياتٍ عن طريق صفقاتٍ مازال يُعْملُ على صياغتها في كواليس العواصم التي ارتبطتْ مصالحُها الاستراتيجيةُ في المنطقة من خلال القضية السورية وما آلت إليه جميعُ الأطراف فيها لاسيَّما بمدينةِ حلب المحاصرة.
فالمتابعُ للحراك السياسي- الذي يَجري على وقع المنهجية الروسية في تدمير حلب والمرحلة التي وصلت إليها فيها- يُلاحِظُ تكثيفَ الحديثِ عن اتصالاتٍ ومفاوضاتٍ بين الفصائل العسكرية الرئيسة العاملة في حلب وروسيا برعايةٍ تركيةٍ، حيثُ تتمحورُ هذه الاتصالاتُ وَفق التسريبات الإعلامية حول النقاط الجوهرية التي طرحها "دي ميستورا" مؤخرًا وهي نفسُها النقاطُ التي كانتْ محورَ الاتفاق الروسي الأمريكي الذي توصلا إليه قبل ثلاثة أشهر وعُلّقت المحادثات بين الجانب الروسي والأمريكي حول تنفيذها بسبب مدينة حلب التي أصبحتِ العقدةَ المركزية بين جميع الأطراف الدولية والإقليمية وحتى المحلية. ويبدو أنَّ هذه الأطرافَ مجتمعةً كان لها دورٌ خلال الأشهر الماضية في حلِّ هذه العقدة عن طريق تدمير حلب على النحو الذي لا يخفى على أحدٍ، حيثُ قامت بذلك روسيا ومَن معها من إيران والنِّظَام بكل قوة، واكتفتِ الأطرافُ الأخرى إمَّا بالصمت أو الحراك الخجول، أو فتح معارك جانبية غير مرتبطة بما يَجري بحلبَ ولكن على حسابها ولا تخرج عن تفاهماتٍ بين هذه الأطراف الدولية والإقليمية، ولا تنفصلُ عمَّا يَجري في حلب!.
إنَّ كثرةَ التسريبات الإعلامية بشكلٍ مقصودٍ عن محادثاتٍ بين الجانب الروسي وفصائل عسكرية مهمة وبرعاية تركية حول مدينة حلب تعدُّها روسيا خطوةً مرحليةً واختراقًا كبيرًا لها على الساحة السورية نتيجةً لدورها العسكري التدميري في حلب، وذلك على حساب الدور الأمريكي وردًّا على تعليقها المحادثات مع الجانب الروسي حول سوريا. وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ تلك المحادثات تَجري بالتوازي مع الحراك الأممي الذي يَرعاه "دي ميستورا" مِن خلالِ مبادرته الأخيرة "إدارة ذاتية لحلب" التي لا تختلفُ عن مبادرته السابقة التي تتمحورُ حولَ إخراجِ مقاتلي "جبهة فتح الشام" من حلب التي لمْ تكنْ في الأصل - المبادرة - إلا خطوة من أجلِ العودةِ إلى الحوار الروسي الأمريكي بناءً على الاتفاق الذي توصلا إليه من قبلُ بناءً على المتغيرات الحاصلة والمستجدة على الأرض في مدينة حلب التي ستُجْبرُ غالبيةَ الأطراف إلى العودة إلى جنيف وهي على قناعةٍ أنَّ هذه العودة لا خيار فيها في هذه المرحلة.
 وإذا كانتْ ترى موسكو على وجه الخصوص أنَّ الواقِعَ الميداني سيعطيها فرصةً أكبر على طاولة المفاوضات من جديد، مع إدراكها أنَّ خطتها على طريقة "غروزني" التي طبقتها بحلب لمْ تنجحْ كما تريدُ بل باتَ يلوِّحُ لها أنها ستشكل مُنعطفًا نحو "أفغانستان جديدة" وبخاصةٍ بوجود أطراف لنْ تتوقفَ عن دعم الفصائل بطريقة أو أخرى وعليها أن تستغل الفرصة للخروج من المستنقع السوري على النحو الذي يظهرها قادرة على فرض شروطها، كذلك الأطراف الدولية والإقليمية باتتْ تدركُ حقيقةَ خطرِ المرحلة التي وصلتْ إليها القضيةُ السوريةُ نتيجةَ التدخل العسكري الروسي لاسيما في مدينةِ حلبَ التي هي على وشكِ "الإسقاط" الذي تكمنُ خطورتُه ليس من "أفغنة" القضية السورية ولكن خشيةً مِن أنْ يفقدوا سيطرتهم في التحكم والسيطرة على القوى العسكرية الثورية من خلال تحول الثورة الإجباري إلى أسلوبِ "حرب العصابات" الذي يحررها من قيودِ وشروطِ الداعمين ويخرجها عن أجندةِ الصراعات الدولية والإقليمية والحدود الجيوسياسية التي كانت ترسم لها مؤخرًا نقاط المواجهة وتحدد أماكن المعارك وتوقيت بدايتها ونهايتها على النحو الذي يريدون كما هو حاصل اليوم في حلب!.
إنَّ الخشيةَ من إسقاط حلب وما ستؤدي إليه من التحول الإجباري في التغيير بالأسلوب الثوري "إلى حرب العصابات" الذي بدأتْ تظهرُ معالمُهُ والاستعداداتُ له لنقلِ الثورة إلى قلبِ العاصمة دمشقَ وباقي المدن التي يحتلُّها النِّظَامُ شكَّلتْ هاجسًا مُقلقًا للأطراف الدولية والإقليمية التي دور في مجريات الأحداث القضية السورية، الأمر الذي دعا "دي ميستورا" إلى دقِّ ناقوس خطرهِا ومحذرًا من "حرب عصابات" قد تستمرُّ لسنواتٍ طويلةٍ قادمةٍ إذا لمْ يتمَّ العملُ سريعًا على تداركِ ذلك من خلالِ العودة إلى الحراك السياسي الدولي والإقليمي. ولهذا سنشهدُ خلال هذا الشهر الأخير من هذا العام أكثر من اقتراحِ قرارٍ في مجلس الأمن ومن أكثر من جهةٍ والدعوة إلى انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة بشكلٍ طارئ وانعقاد اجتماع "دول أصدقاء سوريا" في باريس وحراك أوروبي ملحوظ، بالإضافة إلى العودة السريعة بين الجانبين الروسي والأمريكي إلى تفعيلِ الاتفاق بينمها الذي توقَّفَ منذ ثلاثة أشهر، وبخاصةٍ بعد عودةِ توافق الطرفين على إرسال اللجان العسكرية والدبلوماسية مرة أخرى إلى جنيف تمهيدًا إلى لقاء جديد بين "كيري" و"لافروف"!.
إذا كان الحراكُ السياسيُّ الدولي والإقليمي الذي بدأ يتصاعدُ مع بداية هذا الشهر على وقع مجرياتِ الأحداث الميدانية لا سيَّما بحلب التي أثبتتِ المعطياتُ أنَّ محاولةَ إسقاطها لن تزيدَ الثورةَ إلا اشتعالًا ولكن بأسلوبٍ جديدٍ يتمحور حول "حرب العصابات" الذي بات يفرضه هذا الواقع والمواقف الدولية والإقليمية ودورها السلبي تجاه القضية السورية، بالإضافة وصول أسلوب الفصائل العسكرية إلى مرحلةٍ حرجةٍ في واقع العمل الثوري على كل الجبهات، لكن هل بالإمكان لهذا الحراك السياسي الدولي والإقليمي أن يُوقف متطلبات هذه المرحلة الجديدة القادمة وبخاصةٍ أنَّ هذا الحراك يقوم على المرتكزاتِ نفسِها السابقة التي تراهن على عامل الوقت لمصلحة النِّظَام ومَن معه وبظروفٍ إنسانيةٍ أسوأ بكثيرٍ  من ذي قبل وأن هذا الحراك جاء بعد فوات الأوان، وأنَّ المرحلةَ القادمة قد بدأتْ فعلًا ومن الصعوبةِ التحكمُ فيها من جديدٍ على النحو السابق؟!.
الدكتور جبر الهلُّول



"إدارةٌ ذاتيةٌ" لإنقاذ مدينة حلب!!..

0
"إدارةٌ ذاتيةٌ" لإنقاذ مدينة حلب!!..

لمْ تتركَّزْ مجرياتُ الأحداث الميدانية العسكرية والسياسة في جميع المدن السورية كما تركزتِ اليوم في حلب لاسيما بعدما أُخرجتْ مدينةُ حمص عن دائرةِ الصراع بطريقةٍ مشابهةٍ إلى حدٍّ مَا لما يجري في حلبَ مِن الناحية العسكرية وتكتيكاتها لكن في مدينة حلب دخلتْ كثيرٌ من العوامل الدولية والإقليمية والمحلية في صناعة ما يَجري على النحو الذي يتابعه المعنيون بالقضية السورية. ولعلَّ خطةَ تجميد الصراع بحلب التي طرحها "دي ميستورا" في نهاية (2014) كانت بدايةَ اللعبة حول حلب من أجل إخراجها من دائرة الصراع أو بمعنى أدق إخراجها عن الثورة وفصلها عن مجريات الأحداث في المناطق الأخرى، حيث تركزتِ المبادراتُ والمقترحاتُ الدولية والإقليمية لحل القضية السورية عن طريق بوابة حلب التي كان من الصعوبةِ التوافقُ على رؤيةٍ لا تعتمد على الحسم الجغرافي فيها بخاصةٍ بعدما أصبحتْ مركزَ الثقل للقضية السورية وصراعات المنطقة كلها.
إنَّ الحسمَ الجغرافي الذي آلتْ إليه الثورةُ السوريةُ بعدما تعطَّلَ الحسمُ العسكريُّ بقرارٍ سياسيٍّ دوليٍّ وإقليميٍّ لاسيما في حلب ليس بالأمر السهل لأيِّ طرفٍ من الأطراف، وإن كانتِ الداعيةُ الإعلاميةُ للنِّظَام ومَن مَعَه تُروِّجُ إلى قُربِ ذلك بعد تحقيقِ تقدُّمٍ في بعض الأحياء المحاصرة نتيجة الحملة العسكرية التدميرية التي تقودها روسيا عليها التي مِن الواضحِ أنَّ القرارَ الاستراتيجي للعملية يَقتضي عدم توقفها ما لمْ تنعدمِ الحياةُ بكلِّ أشكالها في حلب، وأنَّ هذه الاستراتيجية تُسابقُ عاملَ الزمن لإنجازها، ولعلَّ توقعَ الجانبِ الروسي نهاية العام الجاري لذلك جعلهم يُصعِّدونَ مِن العملية العسكرية بشكلٍ كبيرٍ، ويأتي تقديمهم مقترح قرار لمجلس الأمن لوقف إطلاق النار بحلب باستثناء "جبهة فتح الشام" و تنظيم الدولة" من بابِ المناورة السياسية للتشويش على المقترح الفرنسي والبريطاني بخصوصِ الوضع الإنساني المأساوي بحلب نتيجةَ ما تقومُ به روسيا وحلفاؤها على مرأى ومسمع العالم كله.
كما أنَّ القول: إن روسيا تستغلُّ الفرصةَ قبل استلام "ترامب" مهامه عمليًّا في البيت الأبيض لفرض واقع خطتها العسكرية في حلب ما هو إلا خديعة تكشف مجريات الأحداث وبالأخص تدمير حلب وتفريغ بعض أحيائها سكانيًّا، إنَّ الصراعَ الدولي والإقليمي والمحلي يَجري على اقتسامِ حلب عن طريق تقسيمها كبوَّابةٍ أُولى للحلِّ بعد وصول القتل والتدمير والتهجير ذروتَه فيها. وما صرَّح به "دي ميستورا" لصحيفةِ الحياةِ اللندنية أنَّ بوتين "ليس لديه نية في تدمير الكامل" لحلبَ أو أي مدينة في سوريا. وإنَّ جاءَ هذا التصريحُ لتسويق مبادرته إلَّا أنه يتناقضُ تمامًا مع الواقعِ الميداني على الأرض وإنْ حاولَ "دي ميستورا" من خلال هذا النفي أنْ يُوجِدَ فَرْقًا في الأهدافِ الميدانية على الأرض بين النِّظَام المُسْتقوي بالروس وبأنه يريدُ تصعيدَ الهجوم على شرق حلب وتدميرها بالكامل!.
لقد جاءتْ تصريحاتُ "دي ميستورا" تلك بعد طرحِهِ اقتراحَ "تشكيل إدارةٍ ذاتيةٍ" في حلب الذي سرعان ما رفضه النِّظَامُ وتمَّتِ التغطيةُ على هذا الاقتراح، وتفاصيله، ومَن كان وراءه، وتمَّ تجاهله بشكلٍ مقصودٍ من قبل كل الأطراف والانصراف عنه علنيا والانشغال بالتركيز والمتابعةِ لما يَجري في حلب من خلالِ ما تقوم به روسيا ومَن معها من عمليةِ إكمال خطتها فيها التي وجدَ النِّظَامُ من خلالها فرصةً للانتقام أكثر قبلَ تنفيذِ أيِّ مُقترحٍ يتمُّ التوصلُ إليه بخصوص حلب في قسمها المحرر الذي على الأغلب أنه يدركُ أنه لنْ يؤولَ إليه وَفقًا لاطلاعه على ما يدورُ في كواليس التفاهمات الدولية الإقليمية التي تتم مع روسيا، وما أخبره به "دي ميستورا" في دمشقَ أو صرَّحَ به للإعلام ليس إلا تسريب عما وصلوا إليه في تلك الكواليس!.
لكن وإنْ لمْ يكشفْ "دي ميستورا" مَن كانَ وراء مقترح "الإدارة الذاتية" إلا أنه من المعلومِ أنه قامَ بزيارةِ جنيف ونيويورك وأنقرة وموسكو وطهران ومِن ثمَّ دمشق قبل أنْ يكشفَ عن هذا المقترح الذي اُعْتبِر غريبًا في توقيته، وبخاصةٍ أنه جاء كإشارةٍ ضوئيةٍ ولو عابرة تشيرُ إلى الحلِّ عن طريق التقسيم من خلال هذه الفكرة بغضِّ النظر عن تفصيلاتها، وأنَّ هذا الخيار ما زالَ هو الوحيدُ للحلِّ وإنْ كانتِ الفرصةُ التدميرية الروسية لمدينةِ حلبَ وما يقوم به "النِّظَامُ" على الأرض لا تفسر إلا في سياق الفكرة نفسها، ولهذا كانَ رفضُ "النِّظَام"  لها على أنها "نيل من السيادة الوطنية"، بينما كان الناطقُ باسم الخارجية الإيرانية "بهرام قاسمي" أكثر وضوحًا وصراحة في فهم مقترح "دي ميستورا"  بإقامةِ منطقةِ حكم ذاتي شرق حلب، من خلالِ قوله: "المخالفون لتقسيم سوريا كثُر ولن يسمحوا لهذا الاقتراح أن يُطبق بسهولةٍ، وأتوقع أننا لمْ نصلْ لمرحلةِ أنْ نأخذَ هذا الاقتراح على محملِ الجدِّ أو حتى نفكر به". ولعلَّ فهمَ موقف النِّظَام وإيران ومن ثم نقد روسيا لمصداقية "دي ميستورا" لا بدَّ أنْ يؤخذَ في سياق المجريات الميدانية وتحقيق مكاسب جديدة على الأرض في أحياءِ حلبَ المحاصرة وحملة دعائية إعلامية كبيرة مرافقة لذلك، وأي موافقة علنية لقبولِ المقترحِ تعكسُ حقيقةَ ما يتمُّ تداولُه ومناقشته في العواصم التي زارها "دي ميستورا" مع العلم أنَّ المقترحَ في جوهره يعيدُ طرحَ المبادرة التي وافقت عليها روسيا من قبْلُ بإخراج "جبهة فتح الشام" من حلب لكن بطريقة عرض جديدة تؤدي الهدفَ نفسَه الذي طالما سعتْ إليه روسيا لاسيما مع أمريكا وبخاصةٍ في الاتفاق الأخير قبل تعليق المحادثات بينهما حول سوريا.
إذًا لا شكَّ أنَّ توقيتَ عرض "دي ميستورا" لمقترحه "‘إدارة ذاتية بحلب" مهم للغاية وفيه إشاراتٌ بالغةُ الدلالة والتعقيد، لكن السؤال على الرغم من كلِّ مجريات الأحداث الحاصلة في حلبَ اليوم والتصعيد الروسي الكبير والدعاية الإعلامية للنِّظَام بتحقيق بعض المكاسب على الأرض هل طُوي ملفُ مقترح "دي ميستورا" حول إقامةِ إدارةٍ ذاتيةٍ بحلب وَفق مفهوم التقسيم كخيارٍ وحيدٍ للحل أم أن العودة إليه باتت قريبة جدًّا وأن كل ما يجري على فظاعته هو بعض التحسينات في خريطة التقاسم والتقسيم بين الأطراف الدولية والإقليمية من خلال ما يمكن حسمه جغرافيًّا خلال هذ المرحلة من القضية السورية قبل العودة إلى طاولةِ المفاوضات السرية التي لم تتوقفْ بالأصل والتي تجري بالتوازي مع المجريات الميدانية على الأرض ولا يغيب عنها مقترح "دي ميستورا" بكل تأكيد؟!.
 الدكتور جبر الهلُّول


حلب وبوابات التغيير الإجباري في المشهد السوري

0
حلب وبوابات التغيير الإجباري في المشهد السوري

إن المشهد الميداني في حلب ليس مفاجئًا على الرغم من التجييش الإعلامي من قبل النِّظَام الذي هو جزء من الحرب النفسية لتضخيم المعطيات الميدانية أكثر بكثير مما هي في الواقع لتحقيق مكاسب سياسية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي بالإضافة إلى المكاسب العسكرية المادية والمعنوية. لكن مع ذلك لا يمكن تجاهل أن ما يحصل هو خسارة معركة كبيرة من معارك الثورة التي لها ما بعدها في الجانب العسكري والسياسي ولها تداعياتها الدولية والإقليمية والمحلية بغض النظر عن جانبها السلبي والإيجابي لأي من الأطراف التي لها دور مباشر أو غير مباشر في الساحة السورية.
فالواقع الميداني المستجد بكل أبعاده وخطورته يقتضي التعامل الواقعي معه دون الوقوف عند تحميل المسؤوليات التي لا يمكن الاقتصار على تحميلها القوى الثورية أو على جانب فيها دون الآخر لأن هذه القوى بكل ما فيها من إشكاليات أو عليها من ملاحظات صمدت أمام قوى دولية وإقليمية ومليشيات متعددة الجنسيات وضعت كل ثقلها العسكري والسياسي إلى جانب النِّظَام في معركة إعادة احتلال حلب التي لم يستطع النِّظَام ومعه إيران من إحراز أي تقدم فيها قبل التي بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا في (30/9/2015) والذي تركز على مدينة حلب في قسمها الشرقي المحرر في منتصف شهر نيسان الماضي الذي توقفت فيه محادثات جنيف3 ونُقضت فيه هدنة شباط التي لم تكن بالإضافات لجولات جنيف3 إلا مراحل تمهيدية لكسب عامل الوقت في الاستعداد والإعداد في استهداف حلب ومحاصرتها وتدميرها بوحشية على النحو  الذي صمت فيه المجتمع الدولي وانكشفت هزالة حراكه السياسي وتقديمه الحل السياسي على الحل العسكري الذي أثبتت مجريات الأحداث الميدانية أن غالبية الأطراف تعول عليه ومصالحها مرتبطة فيه من خلال تماشيها ومجاراتها الدعاية الإعلامية الحربية التي قادتها روسيا التي عملت بها بالتوازي مع حملتها العسكري واتباعها منهجية الأرض المحروقة  على المبالغة في حجم القوة الثورية في مدينة حلب والزعم أنها في غالبيتها من "جبهة فتح الشام" وأن القوى الأخرى إما حليفة لها أو تحت سيطرتها وأن كل المبادرات والمقترحات قد فشلت في فصل "المعتدلين" عن "المتطرفين". وكان ذلك كله مقدمات لهذا الواقع الذي تصنعه لعبة سياسية قذرة يشارك فيها كل الأطراف الدولية والإقليمية وتديرها لتصل إلى نتائج تتقاطع مصالحهم فيها بشكل أو آخر على حساب القضية السورية.
لهذا ما يجري اليوم من إسقاط بعض الأحياء المحاصرة بحلب وما تتعرض له من همجية تدميرية على يد حلف العدوان الثلاثي بقيادة روسيا ومعها إيران والنِّظَام الذي لم يتوقف من منذ شهر نيسان الماضي باستثناء هدن مؤقتة لا تنفصل عن تكتيكات المعركة لا سيما بعض إطباق الحصار على المدينة في شهر تموز الماضي. لكن قبل تحميل مسؤولية ذلك للقوى الثورية ومن معها لنعلم لم يكن ليحصل ذلك منفصلًا عن مشاركة المجتمع الدولي بصمته الإيجابي أو السلبي الذي جعل من جميع الأطراف في مأزق لا يجدون له مخرجًا يمكن التوافق عليه، وبخاصة بعدما أصبح التحكم في أي مخرج هو عامل القوة العسكرية على الأرض الذي دعم لجانب النِّظَام بشكل مفتوح بينما تحجم أو توقف عن القوى الثورية بشكل كبير وجعل من المدنيين مكسر العصى لهم في مجريات الأحداث وهدفًا مقصودًا بشكل مباشر للنيل منهم.  لهذا يمكن القول: إن كل المزاودات الدولية والإقليمية والمحلية حول المدنيين لم تكن للتخفيف من مأساتهم ومعاناتهم التي تزداد يومًا بعد يوم في مدينة حلب المحاصرة التي كان من المتوقع عسكريًّا أن تصل إلى هذه المرحلة التي لا تخفى على متابع للقضية السورية سياسيًّا وعسكريًّا.
إن إسقاط القسم المحرر من مدينة حلب أو جزء منها بيد النِّظَام من جديد لا شك هو إنجاز كبير بالنسبة إلى النِّظَام الذي أوشك على السقوط قبل قرابة عام، لكن هذا الإنجاز هو مؤقت وإن كان سيحرص النِّظَام المتهالك على استمراره وتفعيله، ويحاول أن يوهم أن له خطة استراتيجية لاستعادة سيطرته مرة أخرى على كل الجغرافيا السورية التي تحررت من قبضته التي تزيد عن ثلاثة أضعاف المساحة الجغرافية التي يسيطر عليها. الأمر الذي يستحيل عليه مرة أخرى وإن تمكن من إعادة احتلال مناطق حيوية مهمة في مدينة حلب، لأن الحقيقة التي يجب أن تبقى ماثلة أن ما يجري في حلب يرجع إلى الثقل العسكري الروسي الذي وضع في سوريا بالإضافة إلى إيران وميليشياتها المتعددة الجنسيات بالإضافة إلى الغطاء الدولي المفتوح للنِّظَام العسكري والسياسي مقابل قوى ثورية كانت وحيدة في الميدان باستثناء دعم مهما بلغ حجمه لا يمكن مقارنته بالمشاركة العملية الروسية والإيرانية للنِّظَام لاسيما عامل الطيران الحربي والمروحي الذي ركز على استهداف الحاضنة المدنية للثورة وبناها التحتية وبخاصة المدارس والمستشفيات التي أخرج غالبيتها عن نطاق الخدمة ضمن حصار مطبق استحال فيه طريق الإمداد العسكري للمقاتلين وكذلك الإمداد الإنساني للمدنيين الذي رفضوا  الخروج والاستسلام للهدن الروسية المؤقتة وشروطها أكثر من مرة.
فما يجري اليوم في سوريا وفي مدينة حلب على وجه التحديد التي أصبحت البوابة الرئيسة للقضية السورية في جانبها السياسي والعسكري سينهي بالتأكيد مرحلة كبيرة ارتكزت على دور الفصائل العسكرية على تنوعها في عملية التحرير التي أصبحت في محطة لا خيار لهم فيها من التبديل والتغيير الإجباري لتأخذ القوى الثورية على تنوعها أيضًا أسلوبًا جديدًا سيفرضه الواقع الميداني كأسلوب ثوريّ جديد يتناسب معه، لمتابعة مسيرة الثورة التي لن تتوقف عند إعادة احتلال النِّظَام لجزء من مدينة حلب المحررة، أو فرض هدن وتغيير ديموغرافي قسري لبعض المناطق والمدن!!.
الدكتور جبر الهلُّول



"دي ميستورا" والمهمَّةُ الأخيرة!!..

0
"دي ميستورا" والمهمَّةُ الأخيرة!!..

إنَّ مُهمَّةَ المبعوثِ الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا "ستيفان دي ميستورا"، لا شكَّ هي مهمةٌ صعبةٌ بسبب تعقيدات القضية السورية المحلية والإقليمية والدولية في بُعدها السياسي وتصاعد مُجريات العمل العسكري على أكثر من صعيدٍ وأكثر من جبهةٍ وطرفٍ فيها. لكن وإنْ كانتْ مهمةَ "دي مستورا" كمبعوثٍ للأمم المتحدة كوسيطٍ بين هذه الأطراف كلها ويُفترض به أنْ يكون "محايدًا" إلا أنه تجاوز ذلك في كثيرٍ من الأحيان في طروحاته ومبادراته التي زادتْ من إشكالية القضية السورية وتعقيداتها على النحو الذي جعل من مهمَّته تخدم النِّظَام ومَن مَعَه وتصب في مصلحته وتقف عاجزة عن تقديم أي شيء للقضية السورية، وإن كان هذا العجزُ بديهيًّا في المنظمة الدولية لأنها مرهونةٌ للقوى الدولية المتحكمة بها منذ نشأتها وليس الأمر طارئ عليها، إلا أنَّ "دي ميستورا" كان حضورُه الشخصيُّ في القضية السورية كبيرًا على حساب موقعه الاعتباري الأممي مما جعلَ فشلَه مزدوجًا. ولا نستطيعُ أنْ نقولَ: "نجاحه" لأن الواقعَ يثبتُ عكسَ ذلك إلى غاية الآن. بالإضافة إلى ما سرَّبَه ديبلوماسيون في الأمم المتحدة بإنَّ المبعوثَ الخاص الى سوريا طلب من الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" إعفاءه من منصبه «لأسباب شخصية» قبل انتهاء ولايته الحالية في آذار (2017). وأوضحت هذه المصادرُ أن "دي ميستورا" "مصابٌ بإحباط" حيال إمكان تحقيق أي تقدم في المسار السياسي في المدى المنظور في سوريا، لاسيما بعد مبادرته الأخيرة بطرح إقامة "إدارة ذاتية" في القسم الشرقي من حلب التي زُعم أنها لاقتْ رفضًا من النِّظَام ومن روسيا التي طعنتْ في صدقيته كمبعوثٍ مُحايدٍ في هذه المبادرة الجديدة!!.
إنَّ مقترحَ "دي ميستورا" الأخير الذي سوّقه هذه المرة على أنه يأتي كمقترحٍ عَمليٍّ وسط بين النِّظَام والقوى الثورية "المعتدلة" لإنقاذ ما تبقى من مدينة حلب المحاصرة من المصير المحتوم وَفق تأكيداته التي عبَّرَ عنها من خلال "قلقه البالغ" على ما سيلحَقُ حلبَ من مزيدٍ من الدمار على يدِ روسيا قبل موعد استلام "ترامب" (20) كانون االثاني القادم والتخويف من ذلك بقوله: "أشعرُ بقلقٍ بالغٍ بشأن ما يمكن أن يحدثَ قبل 20 كانون الثاني". وأضاف: "نحن قلقون للغاية من احتمالِ إطباقِ الأسد بشكلٍ وحشيٍّ وعدواني على ما بقي من شرق حلب، قد يكون ذلك مأساويًا. قد يصبح (فوكوفار) جديدة". وقد رجح "دي ميستورا" قيام الأسد بذلك قبل تسلم "ترامب" مهامه عمليًّا، إذا ما المغزى من هذا المقترح؟!.
قبل مناقشةِ المقترح "دي ميستورا" الأخير الذي ربما هو الخامس أو السادس ... التي غالبيتها تتمحورُ حول حلب خلال مهمته في سوريا والتي لمْ يُنجزْ أو يُتمَّ أيًّا من المقترحاتِ والمبادرات السابقة التي طَرحَها، الأمر الذي يؤكِّدُ أنَّ هذا الرجل - الذي الْتَحقَ بالعمل الدبلوماسي في الأربعين مِن عمره وشغل مناصِبَ سياسيةٍ ووظائفَ ومهامًّا متنوعةً وفي بلدانٍ متعدِّدَةٍ لفترات وجيزة ربَّما أطولها الآن في سوريا- يَسيرُ ضمنَ منهجيةٍ خاصةٍ به حيث لمْ يستلمْ فيها ملفاتٍ وأنجزها كاملةً حتى النهاية أو طرح مبادرات أو مقترحات وتابعها لتصل لنتائج معينة ثابتة يمكن أن يتابع عيلها من حيث توقفت أو انتهت إليه. لهذا فالرجلُ كما يتحدث عنه الأوربيون بأنه لمْ ينجحْ بحلِّ أيِّ أزمةٍ تولاها خلال حياته المهنية، مما يؤكد على أنَّ طريقةَ إدارته للملفات ذاتُ طابعٍ شخصي وليس موضوعي، وربما لهذا السبب الجوهري الذي يتعلَّقُ بشخصية "دي ميستورا" نفسِه تمَّ اختيارُه لتمثيل الأمم المتحدة في سوريا وتحرص عليه فيها لأداء هذا الدور الذي تنتهي تباعاتُه عند "دي ميستورا" ولا تتجاوزه إليها، وبخاصَّةٍ أنَّ مقترحاتِ "دي ميستورا" كرَّستِ التعاملَ معه من قبل المعارضة السورية بصفته الشخصية وليس الاعتبارية التي كان يجبُ نقدُها والضغط عليه من خلالها واعتبار لقاءه بالفصائل العسكرية الثورية هو لقاءٌ واعترافٌ من قبل الأمم المتحدة بوجودها ومشروعيتها في ثورتها ضد النِّظَام والاحتلالِ الروسي والإيراني في سوريا وليس لقاء بشخصِه منفصلًا عن الأمم المتحدة.
وبالعودة إلى مقترح "دي ميستورا" الأخير بما يتعلق بمدينة حلب حول إمكانية قيام "إدارة ذاتية فيها" لا بدَّ من القول بداية كما هي عادته في مقترحاته ومبادراته السابقة هو مقترحٌ ملْغومٌ وغامضٌ يحملُ معانٍ وتفسيراتٍ متعددةً يَصعبُ فهمُ المطلوب منه بشكل دقيق ومنطقي، وبخاصة أنَّ أغلبَ مقترحاته تخرج منه عقب زيارته دمشق أو موسكو أو طهران أو تسرب من خلال وجوده فيها، وقد تركزت هذه المقترحاتُ حول مدينة حلب منذ اقترح خطة تجميد القتال فيها عام (2014) ومن ثم إخراج مقاتلي "جبهة فتح الشام" (900) منها وأخيرًا "إدارة ذاتية فيها" والملاحظُ أنَّ مقترحاتِه في جوهرها تحرصُ بشكلٍ عامٍّ على تفكيك الفصائل العسكرية الثورية من خلال التفريق فيما بينها بإهماله وتهميشه المتعمد لبعض قواها الأساسية، وممارسة الوصاية على البعض الآخر واختيار ممثليها، مما جعلَ تعاطيه مع القضية السورية يتَّسمُ بالاضطراب ويثير الكثيرَ من الشكوك حوله وحول المهمة التي يؤديها في سوريا، ويكاد أن يصبحَ طرفًا فيها، ولكن لمصلحةِ مَنْ كُلُّ ذلك؟!.
إنَّ منهجيةَ "دي ميستورا" في تعاطيه مع القضية السورية لمْ تلقَ قَبولًا من الشعب السوري وإنَّ مقترَحَه الأخيرَ الذي عبرَّ فيه عن قلقه وخوفه على مدينة حلب من بطشِ النِّظَام وروسيا وحذَّرَ من مصيرٍ مشابهٍ للمدينة الكرواتية (فوكوفار) قبل تسلم "ترامب" مهامَّه الرئاسية في (20) كانون الثاني المقبل، وإحباطه من طريقة الرد العلني الروسي والنِّظَام على مقترحه ما هو إلا مناورة لتسويق المقترح ذاته داخل صفوف القوى الثورية العسكرية أوَّلًا قبل السياسية منها، ليكون هذا المقترُح نواةً لفكرة الذي سيعتمدُ عليه جميعُ الأطراف للخروج من مأزقهم ليس من حلبَ فحسب وإنَّما من القضية السورية، وبالتالي يكون "دي ميستورا" خَتَمَ مسيرتَه المهنيةَ بإنجازه وهو الأول والأخير الذي لطالما حلم بالوصول إليه، ولكن يبقى السؤالُ على حساب مَن سيكون هذا الإنجاز الذي يطبخ الآن على نارٍ حاميةٍ بحلب؟!.

الدكتور جبر الهلُّول

المجتمع الدولي يراقب!!!

0
المجتمع الدوليُّ يُراقبُ!!!

حدَّدتِ المندوبةُ الأمريكيةُ الدائمة في الأمم المتحدة "سامنثا باور" عددًا مِن مُجرمي الأسد العسكريين والأمنيين على أنهم مرتكبي جرائم حرب ضدَّ المدنيين وأنذرتهم بمصيرِ مَنْ سَبقهم مِن مُجرمي الحرب وحذَّرتهم بأنَّ "المجتمع الدولي يُراقبُ ما يحدثُ" في سوريا وأنهم سيحاسبون في يومًا ما على جرائمهم !.
إنَّ المجتمعَ الدولي الذي تتحدَّثُ عنه المندوبةُ الأمريكية التي هي جزءٌ منه وما زال ممثِّلُ الأسد ونظامه أيضًا جزءًا منه ومعترفًا به كعضوٍ في الأمم المتحدة وقد ردَّ عليها بهجومٍ عنيفٍ على اعتبار أنه زميل لها في هذا المجتمع الدولي الذي تهدد به وتراه قريب جدًّا من المأساة الحاصلة في سوريا وهو يراقبُ عن كثبٍ ما يجري فيها.
بالتأكيد إنَّ موقفَ "سامنثا" لا يتعدَّى الموقف "أخلاقي" الذي لا قيمة له عمليًّا على الأرض ولن يكونَ له تأثيرٌ على مجريات التصعيد الهمجي للعدوان الثلاثي الذي تقوده روسيا وأعلنتْ عنه صراحةً وبتفاخرٍ بما تُدمِّرُه عن طريق استخدام آلتها العسكرية المتطورة بحجة "محاربة الإرهاب" التي تتقاطع فيها مع الولايات المتحدة الأمريكية لكن كل بمعياره على الساحة السورية نفسها.
لا شكَّ أنَّ "سامنثا" ومَن ورائها يُدركُ تمامًا أنَّ الجرائم التي تقعُ بحق المدنيين تقومُ بها وترعاها روسيا التي هي عضوٌ في مجلس الأمن والتي استخدمتْ حقَّ الفيتو خمسَ مرَّاتٍ لصالح "الأسد" وحالتْ دون وقف إجرامه لأنهما شركاء في ذلك بالإضافة إلى إيران المشاركة الأكبر على الأرض عن طريق قُوَّاتها واستجلاب المليشيات المتعددة الجنسيات كمرتزقة لقتل الشعب السوري. لكن المندوبة الأمريكية وإنِ اقتصرتْ على عددٍ من مجرمي الأسد وهي إشارةٌ إلى كلِّ المجرمين الذين معه وحاولتْ أنْ تؤكدَ على مصداقية تحذريها بمصير الرئيس الصربي السابق "سلوبودان ميلوسيفيتش"، لكنها تغافلتْ عن قصدٍ عن الآلية التي صنعت مصير الرئيس الصربي، ودور أمريكا في ذلك مباشرة عن طريق استخدام القوة العسكرية، واكتفت بمطالبةِ روسيا وقفَ العنف فورًا وتسهيلَ المساعدات الإنسانية الطبية إلى الشعب السوري وانتقدتِ استهدافَ روسيا للمدنيين والمستشفياتِ التي دمرت خمس منها خلال يومين فقط. الأمر الذي دعا روسيا إلى الرَّدِّ على "سامنثا" بأنها ذكرت أسماء مجرمي النِّظَام ولمْ تذكرْ أسماءَ الإرهابيين على الأرض، وكأنها تُذكرها بنقاط التقاطع فيما بينهما من جهة، ومن جهة أخرى تعترف بما تقوم به وتعطيه المشروعية وتبرر ما يقوم به النِّظَامُ ومَن معه على أنهم جميعًا جزءٌ من هذا المجتمع الدولي الذي تستند إليه المندوبةُ الأمريكية وتهددُ بمراقبته مجريات الأحداث في سوريا التي يعلمُ المجتمعُ الدولي نفسُه وغالبيةُ شعوب الأرض مَن هو المجرمُ فيها ومَن هو الضحيَّةُ. لكن النفاقَ الدولي يبدو جليًّا وواضحًا أنه من خلال مراقبته لما يجري في سوريا أنه شريك فعلي في الأحداث الإجرامية التي سببت مأساةً كبرى للشعب السوري وسواء جاء ذلك عن طريق الصمت أو المراقبة أو الاحتجاج أو عدم الوقوف العملي إلى جانبه أو كان بمشاركة عمليةٍ بطريقة أو أخرى في الساحة السورية جعلت من هذا المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الدور الروسي والإيراني ومن معهم تجاه القضية السورية التي جعل منها هذا المجتمع الدولي وسيلة لصراعاته ومشاريعه وخططه ولم تكن يومًا خلال السنوات التي مضتْ غاية عنده من أجل التدخل لإيجاد أي حل عادل لها، وذلك ليس لعجز وإنما لأن مصلحته اقتضتِ استمرارها وباتَ حلُّها مرهونًا بتلك المصالح واستراتيجيات الوصول إليها التي تعتمد بشكل مباشرٍ على العنف باستخدام الجانب العسكري بكل وسائله وإمكاناته في المنطقة وعلى حساب أهلها كما هو في سوريا والعراق.
لذلك إنّ تَذرُّعَ المجتمع الدولي بقضية المدنيين وتجريم المسؤولين عنه من خلال ما يتعرضون له مسألة فيها نظر، بخاصةٍ أنَّ المجتمعَ الدولي – باختصارٍ-هو الدول القوية المتحكمة فيه وهو لعبة "الكبار" الذين يجعلون من الدول الصغيرة والشعوب أدواتٍ في هذه اللعبة ووقودًا لصراعاتهم فيها لا أكثر ولا أقلَّ من ذلك. وقد أثبتتِ الكثيرُ من قضايا الشعوب وبالأخص منها القضية السورية حقيقة المجتمع الدولي وزيفه وكذبه في الشعارات التي يطرحها بدءًا بادعاءاته الحرص على حقوق الإنسان وانتهاء بتجريم من ينتهك تلك الحقوق !.
إنَّ مَا يتعرَّضُ له الشعبُ السوري من عدوانٍ همجيٍّ تقوده روسيا وتشارك به إيران بشكل قوي بصمت إلى جانب نظام مجرم ومليشيات متعددة الجنسيات كافٍ للقول: إنَّ المجتمع الدول بكل منظماته ومؤسساته هو كاذبٌ بادعاءاته وشعارته وهو شريكٌ فعليٌّ فيما يجري في سوريا، وإنَّ التعويلَ عليه في أية صورةٍ للحل لا تخرجُ عن استمرار الخديعة التي ما زال يرددها بعضُ أدوات اللعبة من الصغار على مستوى كثير من الدول التي تتدعي أنها أصدقاءُ للشعب السوري وكثير من السياسيين الذين نصبوا أنفسهم متحدثين باسم القضية السورية عن طريق كياناتهم التي صنعها هذا المجتمعُ الدولي ولم تصنعها الثورةُ وباتوا بوقًا وصدى له من خلال هذا الطرف أو ذاك الطرف فيه ، وأصبحوا يراقبونَ ما يراقبه المجتمعُ الدوليُّ عن قُربٍ أو عن بعد وينتظرون ما يُبشر به المجرمون بالعقاب، واقتصر فعلهم السياسي على الحض والتشجيع والتنديد!.
إنَّ على الشعوب ومنه الشعب السوري على وجه الأخصِّ أنْ يحرصَ على استمرار ثورته ويبدع الأساليب والطرق للتجديد فيها ويعمل على الاستفادةِ مِن أخطاء التجربة الثورية التي وقع فيها ويتجاوزها، عندها فقط يستطيعُ أنْ يفرضَ وجودَه في الساحة المحلية السورية وحضوره في المجتمع الدولي، ولا ينتظر منه معاقبة المجرمين وتهديده لهم بأن يوقفوا العنف ويسمحوا بالمساعدات الإنسانية له!.
إنَّ المجتمعَ الدولي هو باختصارٍ ما زالَ يحكمُه قانونُ الغاب، ومَن لا يُتقنُ كيفيَّةَ العيشِ ضمن هذا القانون، لا يستطيعُ الاستمرار على قيد الحياة سواء أكانت دولًا أم شعوبًا. وما قالته: المندوبةُ الأمريكية لا يخرج عن هذه الحقيقة الجوهرية بأنَّ العنفَ يدفع إلى التطرف ولا يُوقفه!!!.
الدكتور جَبْر الهلُّول



الحراكُ السياسيُّ الثوريُّ في المشهدِ السوريِّ!!!

0

الحراكُ السياسيُّ الثوريُّ في المشهدِ السوريِّ!!!

إنَّ الأصلَ في الثورات أنْ يقودها حراكٌ سياسيٌّ هادفٌ يستثمرُ العملَ العسكري في كلِّ مرحلةٍ من مراحل الثورة من أجل الوصول إلى الغايات السامية التي قامتْ لأجلها، بحيثُ لا يمكنُ فصلُ الحراكِ السياسي عن الحراك العسكري، ولا يمكنُ استغناءُ أيٍّ منهما عن الآخر في مسيرةِ الثورة، وخدمة حاضنتها، والدفاع عنها والتفاعل معها.  وهذا الحراكُ السياسيُّ إمَّا أنْ يكونَ سابقًا للثورة ومُفجّرًا لها، وإمَّا أنْ ينبثقَ عن الثورة بعد انطلاقها، ويكون من أهمِّ مفرزاتها لتشكيل قيادة ثورية منظمة في بُعدها السياسي والعسكري، تكون قادرة على حمل الأمانة الثورية حتى تصلَ إلى أهدافها، ومستعدة للتضحية في سبيلها إلى النهاية، فتعمل على إثباتِ وجودها وحضورها في الساحة المحلية والإقليمية والدولية بطريقةٍ يَصعبُ تجاوزُها فيها سياسيًّا وعسكريًّا أو التفرد في كل جانب بعيدًا عن الآخر من أجلِ إجهاضها والتمكنِ من التحكم بها وتوظيفها ضمنَ أجندةٍ خارجيةٍ لأنها اللاعبُ الأساسيُّ والممثِّلُ القويُّ للثورة وحاضنتها الشعبية التي تمنحها ثقتها بناءً على الأفعال وليس على الأقوال. بمعنى أنَّ الحراك السياسي هو عبارة: عن معاركَ تَعكسُ انتصاراتِ المعارك العسكرية على الأرض، وكما أنَّ المعاركَ العسكرية تحتاجُ إلى قادةٍ محترفين وجنود متمرسين في القتال وأساليبه وخططه كذلك الحراك السياسي الثوري الذي هو الجزء القيادي للثورة ولا يمكن فصله عن الجانب العسكري في حال من الأحوال. لكن إذا كان هناك حراكٌ سياسيٌّ وكان مستقلًا عن الجانب العسكري ولمْ ينصهرْ فيه أو ينفصل عنه في أية مرحلة من مراحل الثورة أصبحَ حراكًا سياسيًّا مُعارضًا للسلطة بكل مضامينه وأساليبه وطرقه وأهدافه.
إنَّ المتابعَ للحراك السياسي الثوري في القضية السورية يجد أن هناك إشكالياتٍ كبرى لم تُحل ولم تأخذْ طريقها إلى الحل بعد، وشكلت عاملًا سلبيًّا كبيرًا في مسيرة الثورة عبر سنواتها التي مضت، حيث لوحظ بشكلٍ واضحٍ أنَّ الحراكَ السياسي المعارض قبل الثورة لم يكن له أثر يذكر في تفجيرها ولم ينصهر فيها فيما بعد على الشكل المفروض والمطلوب من أجل رسم مساراتها ويحافظ على توجهاتها وأهدافها ويكون له دورٌ في تحصينها وزيادة مناعتها من التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية، بل كان على العكس من ذلك على وجه العموم، وبقي بكل تشكيلاته وكياناته التي تشكلت بعد الثورة كالمجلس الوطني ومن ثم الإتلاف وغيرهما من الكيانات السياسية منفصلة وبعيدة عن الحراك العسكري الثوري على الأرض التي كانت تَسعى لجرِّ الحراكِ العسكري إليها لتنال منه اعترافًا أو تمثيلًا لأخذ المشروعية في حراكها السياسي فقط من دون أن تنزلَ إلى الأرض وتنصهرَ معه، بالإضافة إلى ذلك كانت بوابات واسعة للتدخل الخارجي الدولي والإقليمي في الثورة. الأمر الذي أدَّى إلى إسقاط دورِ هذا الحراك السياسي وأفقده الخاصية الثورية التي لا تكون إلا بالتلازم والانصهار مع الجانب العسكري على الأرض والتفاعل مع قواه الثورية التي لمْ تستطعْ أنْ تتعاملَ معه إلَّا في الحد الأدنى وعلى استحياءٍ وحذرٍ لاسيما بعد اتخاذ مواقف علنية واضحة منه من قبل غالبية القوى العسكرية الثورية على الأرض التي أفقدته المشروعيةَ التمثيليَّةَ للثورة في كل المراحل السابقة، وبات التراجعُ عن تلك المواقف صعبًا لعدم قدرة تلك الكيانات والتشكيلات السياسية على أخذ زمام المبادرة بالاقتراب من القوى الثورية على حساب القوى الخارجية التي تماهتْ معها وأصبح حراكُها السياسيُّ منسجمًا مع مواقف تلك الدول ودورها في القضية السورية وصدى له أفقدها التأثير في مجرياتِ الثورة السورية وتصاعد الأحداث العسكرية فيها، فلمْ يعدْ يُعوَّلُ عليها شعبيًّا أو ثوريًّا بشيء يذكر، يمكن أن يبقيها على قيد الحياة ويعطيها المصداقية التي تنقذها من الموت السريري الذي هي فيه!.
إنَّ إشكاليةَ الحراك السياسي السابقة بقيتْ مستمرةً بآثارها السلبية على الثورة إلى يومنا هذا للأسباب الجوهرية التي ارتكز عليها هذا الحراك. لكن في المقابل كان هناك أسبابٌ أخرى من قبل القوى العسكرية الثورية العاملة على الأرض التي لمْ تسعَ إلى حلِّ هذه الإشكالية الكبرى بطريقةٍ جديةٍ صحيحةٍ من خلال إفراز حراكٍ سياسيٍّ ثوري من خلال صفوفها يمثل الثورةَ ويقودُها ويفرض وجوده على الحراك السياسي المتمثل بالكيانات والتشكيلات السياسية السابقة التي اُخْتزل الحراك السياسي للقضية السورية دوليًّا وإقليميًّا فيها. 
فمشكلةُ التمثيل السياسي للثورة وجدتْ مع بدايات الثورة ولمْ تكنْ طارئةً عليها ومنذ البداية كانت على مفترق طرق مع الحراك السياسي الذي تشكل على حساب الثورة ولمْ ينبثقْ عنها أو ينصهرْ معها، ولعلَّ بعض الأسباب التي حالتْ دون ذلك هي نفسها التي كان لها الدور الكبير في الحيلولةِ دون تمكن القوى العسكرية الثورية من القيام بحراكٍ سياسي له دور قيادي بارز وواضح في الثورة أو تصحيح العلاقة وإيجاد مقاربة مع الحراك السياسي الذي تشكل مع بداية الثورة بعيد عنها، وذلك من أجل أيضا الاستفادة منها وتجييرها ضمن الأجندة الدولية والعسكرية والإقليمية واستراتيجياتها في المنطقة وحرف مسارها عن الثورة وأهدافها الذي عادة يرعاه ويقوده الحراكُ السياسيُّ الذي يمثلها، وهذا ما افتقدته الثورةُ السوريةُ طيلة هذه السنوات من عمرها ولمْ تستطعْ أنْ تجدَه أو تصل إلى حل إشكالياته التي وصلت بها إلى هذه المرحلة المعقدة سياسيًّا وعسكريًّا في مسارين متباعدين هي أحوجُ ما تكون إليهما معًا منصهرين من أجل متابعة مسيرة الثورة التي لا يمكن أن تُصحح خطواتها إلا من خلالهما، وإنَّ المراهنةَ اليوم بالاعتماد على جانبٍ من دون الآخر أو التقليل من أهميته هي مراهنةٌ خاسرةٌ بكل المقاييس، وإنَّ التأخير في حل الإشكال البنويّ في الحراك السياسي الثوري يجعل القضية السورية في خطر وجودي سيكون له تداعياته الخطيرة ليس سوريا فحسب وإنما المنطقة كلها.
إنَّ إشكاليةَ الحراك السياسي الثوري في المشهد السوري تبدو واضحة ومعلومة أسبابها للجميع وإنَّ غالبيةَ الأطراف الثورية السياسية والعسكرية باتت تشعرُ بثقلها وتدرك حجم مسؤوليتها في ذلك، ولكن يَبقى السؤالُ هل ما زال بالإمكان تصحيحُ هذا الخلل وحل إشكالية الحراك السياسي العدمي الذي تعيش على وقعه القضية السورية في واقع الحراك السياسي الدولي والإقليمي، وإنقاذ الثورة وتصحيح مسارها بشقيه العسكري والسياسي في انصهارهما بدورٍ تكاملي، أم أنه قد فات الأوان، ولابد من الانقلاب الثوري على الثورة ذاتها؟!.


الدكتور جَبْر الهلُّول

طغيانُ الجَانبِ العَسكريِّ عَلى المَشهَدِ السُّوريِّ

0
طغيانُ الجَانبِ العَسكريِّ عَلى المَشهَدِ السُّوريِّ

طَغى الجانبُ العسكريُّ على القضية السورية دوليًّا وإقليميًّا ومحليًّا على حساب الحراك السياسي الذي اقْتصرَ دورُه في الجانب الدولي والإقليمي على تفعيلِ وتصعيدِ العملِ العسكري بما يخدمُ اسْتراتيجيَّاتِ تلك الدول وسياساتها الخارجية التي تتمحورُ حول مشاريعها وخططها ومصالحها في المنطقة، ولمْ ينصبْ هذا الحراكُ السياسيُّ في أيَّةِ مرحلةٍ منه على معالجة القضية السورية معالجةً جدّيّةً خاصَّةً أو أن يكون إيجابيًّا على الأقل بمستوى حجمِ المأساةِ التي وصلتْ إليها في مقاربة إنسانية هي أبعدُ ما تكونُ عن واقعِ الزيف الدولي والإقليمي والأممي في تعاطيه مع القضية السورية الذي هو شريكٌ بما يحصل فيها بطريقة أو أخرى حتى عندما يقفُ موقفًا صامتًا وسلبيًّا ممَّا يَجري ويترك دولًا تتدخَّلُ بكلِّ قوَّتها العسكرية كروسيا وإيران إلى جانبِ النِّظَام في سوريا الذي استجلبَ مليشياتٍ متعدِّدةَ الجنسياتِ حاقدةً  لتدميرِ مدنها ومستشفياتها وقتل شعبها وتهجيرهم، ثم يُبرر ذلك الإجرام كله قولًا أو فعلًا فيُسكت عنه بحجةِ وجود "الإرهاب"  بين صفوف القوى الثورية ويمنع عنها السلاحَ الذي تدافِعُ به عن نفسها كي لا يقع في الأيد الغلطِ كما يزعمون، بينما ما زالَ يجري التحقيقُ الدولي الأممي حول جريمة الكيماوي التي ارتكبها النِّظَامُ في الغوطة وحول استخدامه المتكرر غاز الكلور حيث يمكنُ كل يوم أن يفتحَ ملفَ تحقيقٍ جديدٍ لجرائم جديدةٍ ترتكب بحق السوريين ولا يغلق، وتبقى نتائجُه للابتزاز السياسي في المنظومة الدولية وَفق استراتيجياتها ومصالحها وليس لمعاقبة المجرمين الذين يدركون حقيقةَ هذا الحراك الدولي والإقليمي حول القضية السورية وجوهر آلية تعاملهم معها، على اعتبار أنَّ الكلَّ شركاءُ في ذلك بغضِّ النظر عن مواقفهم ووجودهم لصالح هذا الطرف أو ذاك بحسب ما يقتضي واقعُ الصراع والتنافس فيما بينهم.
لذلك وفي هذا السياق لا تتردَّدُ روسيا منذ أنْ تدخلتْ عسكريًّا أن تُعلنَ عن معاركَ تدميريةٍ للبشر والحجر في سوريا تحت الحجج نفسها التي تتناغمُ مع المنظومة الدولية والأممية المجرمة في "محاربة الإرهاب" وتستخدمُ أحدثَ آلتِها العسكرية من طائراتٍ وبوارجَ وسفنٍ تتفاخرُ بأسمائها وقدرتها على قتلِ الشعب السوري على مَرأى ومَسمع العالم كله. ولهذا يأتي استخدامُ روسيا للقنابل العنقودية والفوسفورية وقصف قافلة المساعدات الأممية وتدمير المستشفيات والمدارس جزءًا من الحراك السياسي الدولي ولا ينفصلُ عنه عبر ملفاتِ التحقيق الهزيلة بانتهاكات حقوق الإنسان الذي ترد عليه روسيا بمزيدٍ من التصعيد العسكري وتسهل عليهم عمليةَ التوثيق والتحقيق عن طريق تصور قصفها والمواقع التي تدمرها ونشر ذلك عبر وسائل الإعلام ثم تكتب تحتها عبارة قصيرة "مواقع إرهابية" ثم تعلنُ بعد ذلك أنها مستعدة لهدنةٍ جديدةٍ وأنَّ الحلَّ في سوريا لا يمكنُ أنْ يكونَ إلَّا حلًا سياسيًّا، فيتصاعدُ عندها الحراكُ السياسي الدولي والإقليمي والأممي وراء العبارة الأخيرة ويتفاعلُ مع مجريات الأحداث من خلالها على مبدأ الموجةِ لامتصاصِ تداعياتها.
فإذا كانَ هذا هو واقعُ الحراك السياسي الدولي والإقليمي والأممي وهو حراكٌ غيرُ مفاجئ في تعاطيه مع القضية السورية ولا يُتوقع منه أكثر من ذلك عبر التجربة التاريخية في الكثير من قضايا المنطقة، مهما تغير الرؤساءُ والحكوماتُ لأنه محكومٌ باستراتيجياتٍ كبرى تراعى فيه المصالح بالدرجة الأولى وإن تعاطيها مع الملفات الخارجية لا يخرج عن هذا الإطار وإنْ تعددتْ تكتيكاتُها في ذلك. وبطبيعة الحال يجبُ مراعاةُ الفارق بين الدول الدولية والدول الإقليمية في هذا الحراك الذي يتنوعُ دورُها بحسب قوتها وتأثيرها فيه إلى درجةِ شريكٍ أو وسيطٍ أو تابعٍ، وبطبيعة الحال لا تخرج غالبيةُ الدول العربية عن الدور الأخير وما دون ذلك كمحتل ومستعمر.... ولهذا علينا أن ننظرَ إلى مواقفها من القضية السورية ونقيمها من خلال دورها في هذا الحراك الدولي وموقعها الوظيفي فيه لا أكثر، ولا نفاجئ من سلبيتها في تعاطيها مع تصاعد الأحداث في سوريا حيث نكادُ لا نسمع لهم صوتًا ولا نرى منهم موقفًا ولا نحس لًهم وزنًا مؤثرًا فيها. لهذا ليس من الغريب أنْ تكونَ غائبةً عن المشهد السوري بسبب الشلل الوظيفي الذي تعانيه بشكل بنيوي والذي سينعكس عليها سلبًا في المراحل اللاحقة القريبة ضمن تداعيات القضية السورية في المنطقة وستدخل بشكل مباشر في دائرة الخطر الوجودي الذي لا يمكنها مواجهته أو تحديه في ذلك الحين!.
فإذا كانت هذه هي صورةُ الحراك السياسي الدولي والإقليمي وهذه حقيقتُه وواقعه في تعامله مع القضية السورية بتناقضاته وتفاهماته وصراعاته ولمْ يكنْ يُنتظر منه أكثر من ذلك أو يُتوقع أنْ يخرج عنه إلا بما يتوافق مع استراتيجياتها ومصالحها ويتقاطع في بعض جزئياتها مع القضية السورية وعلى حسابها، إلَّا أنَّ السؤالَ الذي لا يقلُ تعقيدًا عن واقع الحراك السياسي الدولي والإقليمي وأثره السلبي في هذه القضية يتعلَّقُ بواقع الحراك السياسي الثوري خلال السنوات التي مضتْ من عمر الثورة الذي ربما كان يقعُ عليه عبءُ المسؤولية الأكبر في وضع القضية السورية ضمنَ هذا الحراك الدولي والإقليمي وتفعيلها بشكلٍ يتناسبُ مع حجم هذه القضية ويحقق مصالحها التي تتناسبُ مع أهدافها التي قامتْ لأجلها ويحافظ على مسارها بدلًا من أن تُصبح ضمن أجندات تلك الدول، الأمر الذي أفقدها جوهرَها الدافعَ لاستمرارها وعطل من سر نجاحها، وأوشك على إجهاض المفهوم الثوري فيها وعمل على إفشالها. ولكن هل كان من الممكنِ أنْ يكونَ هناك حراكٌ سياسيٌّ ثوريٌّ بمعزل عن الحراك السياسي الدولي والإقليمي وتعقيداته وتباعاته، ويكون لهذا الحراك دور في ظل طغيان الجانب العسكري المحلي على مجريات الأحداث ولدى كافة القوى الثورية التي "تأدلجت" بطريقة أو أخرى عن قصد أو غير قصد ليصبح الجانب السياسي إما هامشيًّا أو له مسار آخر منفصل عن الجانب العسكري وربما على طرف نقيض منه ويتعارض معه؟!.
الدكتور جبر الهلُّول


"درعُ الفرات" والأهدافُ المُعلنةُ

0

إنَّ عمليةَ "درع الفرات" التي تقودُها تركيا بالاعتماد على فصائلَ من الجيش الحر قد أوضحتْ أنَّ الهدفَ من العملية هو تحقيقُ منطقةٍ آمنةٍ على مساحةٍ جغرافيةٍ تقارب (5000) كم مربع وتلك المساحةُ لا تتحقَّقُ إلَّا من خلال السيطرة على أربع مدن كبرى تتبع إداريًّا إلى محافظة حلب: مدينة إعزاز في الريف الشمالي لحلب وثلاثة أخرى في الريف الشرقي لحلب وهي على وجه التحديد مدينة جرابلس ومنبج ومدينة الباب التي تَجري عليها المعاركُ ضدَّ تنظيم الدولة ضمنَ المرحلة الثالثة من عمليةِ درع الفرات التي وصلتِ اليوم إلى داخلها ويكون بانتزاعها من سيطرةِ التنظيم تكونُ "درع الفرات" قد حققتْ نجاحًا كبيرًا وَفق الأهداف المعلنة للعملية وتَبقى قضيةُ منبج التي حرَّرتها "قُوَّات سوريا الديموقراطية" -اختصارًا-  "قسد" من التنظيم قبل بدء "درع الفرات" وما يتعلَّق بريف إعزاز الذي سيطرتْ عليه "قسد" أيضا من الجيش الحر بعد التدخل العسكري الروسي وأثناء معارك النِّظَام لفك الحصار عن نبل والزهراء موضوعًا قائمًا يحتاج إلى حلٍّ لأنه لا تستكمل "درع الفرات" أهدافها ما لمْ تدخلْ تلك المناطقُ الجغرافية ضمنَ المنطقة الآمنة التي طرحتها تركيا وانسحبت منها "قُوَّات الحماية الشعبية الكردية" إلى الشرق من نهر الفرات وتمَّ القضاءُ عمليًّا على فكرةِ وصل مدينتي كوباني بعفرين، وتأمين الحدود التركية من الجهة السورية من عدم قيام حزام كردي "انفصالي" بالقرب منها.
فعمليةُ "درع الفرات" وَفق ما أعلنتْه تركيا هي عمليةٌ محددةُ الأهداف من حيث الجغرافيا التي تنتهي عندها العمليةُ وتتحققُ بها الأبعادُ السياسية والعسكرية وما يأتي من تعديلٍ لتلك الأهداف المعلنة لنْ تخرجَ عن تلك الأبعاد السياسية والعسكرية وإنْ خرجتْ عن إطار عملية "درع الفرات" وبخاصةٍ فيما يتعلق بشرق نهر الفرات لاسيَّما في تل أبيض ومعركة الرقة القادمة، حيث أن ترتيبَ منطقة شرق نهر الفرات هي مرحلةٌ لاحقةٌ وقادمة ولابدَّ أن يكون لتركيا دورٌ كبيرٌ في ذلك لا يمكن تجاهلُه بعد النجاح في عملية "درع الفرات" وقيامها أولًا بترتيب المنطقة الممتدة غرب نهر الفرات.
فإذا كانتْ "قسد" قد حققت نجاحًا تحت مظلة التحالف الدولي في السيطرة على مدينة منبج بعد طرد تنظيم الدولة منها وقد أعطاها ذلك دافعًا للبقاء فيها والتوسع من خلالها إلا أنَّ ذلك يتعارضُ مع التفاهم التركي الأمريكي حول عملية منبج تحديدًا على اعتبار أنَّ أمريكا هي مَن يقودُ المعركةَ عمليًّا على الأرض وعليها يقعُ إعادةُ عناصر "وحدات الحماية الكردية" إلى شرقي النهر، وذلك لأن الشمالي السوري الذي هو خارجُ الثورة منذ انْ سيطرَ عليه تنظيمُ الدولة في عام (2014) سيعاد ترتيبه من جديدٍ تحت الإشراف الأمريكي المباشر ضمن معركة محاربة "الإرهاب" وأن الشمال السوري بغالبيته سيكونُ تحت مظلة طيران التحالف الدولي بعد طرد التنظيم منه بمعنى أنه من المفترض أن يكون خارجًا عن سيطرة النِّظَام ومَن معه على الأقل بصورةٍ مباشرة وبالتالي إنَّ بقاء "قسد" غرب نهر الفرات بأية طريقة كانت ودعمها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة سيعرقلُ هذا الترتيب ومنه سيعيقُ إتمام عملية "درع فرات" وهذا سيؤدي إلى صدامٍ بين الطرفين يتعارض مع الاستراتيجية الأمريكية التي ستعملُ على ضبطه و تحول دون تفاعله وتجاوزه الرسائل السياسية العنيفة التي لن تتوقف بسبب طبيعة تكوين "قُوَّات الحماية الشعبية" التي تستفيد من الصراعات الدولية والإقليمية والمحلية وتلعب على التناقضات فيما بينها من أجل الوصول إلى أهدافها.
إنَّ إعلانَ "قسد" "غضب الفرات" هو خطوة أمريكية تأتي في سياق ترتيبات الشمال السوري لاسيما شرق نهر الفرات وأن تلك الخطوة التي لا تتعارض مع "درع الفرات" لا من حيث الأهداف ولا المجريات الميدانية بل ربما تساعدُ في إنجاح "درع الفرات" وإتمامها من خلال حصر "غضب الفرات" ضمن قطاع جغرافي بعيد عنها ويرسم من جهة أخرى ملامح الحدود الجغرافية التي ستكافئ بها قسد على دورها في محاربة تنظيم الدولة وتحصر بها الفدرالية الجغرافية التي تمَّ الإعلانُ عنها سابقًا، ولكن إذا كان معيار نجاح " درع الفرات" هو الترتيب النهائي للمنطقة الآمنة الجغرافية بكامل مساحتها المعلنة فما هو معيارُ نجاحِ "غضب الفرات" الذي حصرت مهمتها من الجانب الأمريكي في عزل مدينة الرقة الذي لن يتحقق لها إلا من الجهة الشمالية فقط وينتهي دورُها الأحادي فيها الذي لن يتكررَ في معركة مدينة "الرقة" القادمة؟!.
إنَّ النجاحَ الذي حققته "قسد" في منبج لن يتكررَ في "غضب الفرات" لا بالظروف نفسها ولا بالحملة الإعلامية الدولية التي رافقتها، كذلك لن تتوافرَ فيها عواملُ الاندفاع التي شجَّعتْ خوضَ معركة منبج على أمل التقدم إلى مدينة الباب التي كانت تراها الطريق الإجباري من أجل الوصول إلى عفرين، وبخاصةٍ أنَّ معركةَ مدينة الباب هي المعركةُ الكبرى في "درع الفرات" وباتت على أبوابِ حسمها ومِن ثمَّ الالتفات إلى منبج مباشرة !.
إذًا بغضِّ النظرِ عن الظروف التي أحاطتْ بعملية "درع الفرات" ومحاولات عرقلتها في بعض الأحيان إلا أنها وَفق ما أعلنتْه مِن أهداف وما قطعته من مراحلَ بنجاح هي اليوم في المرحلة النهائية العسكرية التي تقربها من غاياتها المرسومة التي قد تَحقق قسمٌ كبيرٌ منها وإنه بمجردِ حسم خوض معركة مدينة الباب وطرق أبوابها اليوم أصبحت "درع الفرات" على أبوابِ مرحلةٍ جديدةٍ لاستثمار نتائجها من خلال التحدي الأكبر الذي يتعلَّقُ بتنظيم المنطقة وإدارتها وإعادة ترتيب أوضاعها بطريقةٍ مختلفةٍ عن المراحل السابقة وبناءً على ذلك سيقاسُ معيار النجاح والفشل لعملية "درع الفرات" وعلى ذلك يراهن النِّظَامُ ومَن ومعه وكذلك "قسد"!!.


الدكتور جبر الهلُّول

"درعُ الفرات" و"غضبُ الفرات"!!

0

"درعُ الفرات" و"غضبُ الفرات"!!

أعلنتْ "قُوَّاتُ سوريا الديموقراطية" يومَ الأحدِ الماضي (6/11/2016) معركةَ تحريرِ الرقة تحتَ اسم غرفة عمليات "غضب الفرات" ضدَّ تنظيم الدولة، وأعلنتْ تركيا من قبل معركةَ "درع الفرات" في (24/8/2016) ضدَّ التنظيم نفسِه بالإضافة إلى ذلك رفض وجود "وحدات الحماية الشعبية الكردية" غربي نهر الفرات لاسيما في مدينة منبج وريفها. لكن إذا كان الإعلانُ التركي الرسمي عن "درع الفرات" جاء صريحًا وواضحًا من حيث الجهة الداعمة والمشرفة على العملية والمنفذة لها والأهداف المعلنة منها، إلَّا أَّن إعلانَ معركة "غضب الفرات" لمْ يكنْ كذلك باستثناء محاربة تنظيم الدولة حتى تحرير مدينة الرقة منه، ولهذا أثَارَ هذا الإعلانُ العديدَ من التساؤلات والتكهنات بدءًا من التوقيت والجهة التي أعلنتْ عنها واسم غرفة العمليات ووصولًا إلى الأهداف والنتائج من هذه العملية، وهل تتعارضُ مع عملية "درع الفرات" وتتصادمُ معها، أو بالعكس؟!.
فالملاحظُ بدايةً أنَّ الإعلانَ عن حملة "درع الفرات" جاءَ بشكلٍ رسمي من قبل تركيا كدولةٍ ولهذا لا يمكنُ مقارنتُه بالإعلان كإعلانٍ فقط عن "غضب الفرات" من قبل "قُوَّات سوريا الديموقراطية" - اختصارًا قسد - كتنظيم، إلَّا إذا أخذنا بعين الاعتبارِ أنَّ الجهةَ التي قرَّرتْ بدءَ معركة الرقة بهذا التوقيتِ وأمرتْ "قسد" بالإعلان عنها تحت هذا المسمى "غضب الفرات" هي الولاياتُ المتحدة الأمريكية وأنَّ "قسد" ما كانت لِتُعلنَ ذلك مِن تلقاءِ نفسها، وما كنتْ أمريكا لتتَّخذَ هذا القرارَ مِن دونِ التنسيق والتشاور المسبق مع تركيا ودول أخرى معنية بذلك، لاسيَّما أنَّ كلتا العمليتين "درع الفرات" و"غضب الفرات" تجريان في الوقتِ نفسه تحت مظلة التحالف الدولي الذي تقوده الولاياتُ المتحدة الأمريكية ضد تنظيم الدولة في الشمال السوري، وبخاصةٍ بما يتعلق بمدينة الرقة التي يتخذها التنظيمُ عاصمةً له ولمعركتها أهمية كبيرة في مجريات الأحداث في المنطقة ورسم خرائط النفوذ فيها، ولهذا كانتْ معركةُ مدينة الرقة محوَرَ الاتصالات التركية الأمريكية بعد انطلاق "درع الفرات" وتحقيقها نجاحات سريعة على الأرض التي تعتبر جزءًا من معركة الرقة ولا تنفصلُ عنها بغض النظر عن الأهداف الخاصة بتركيا منها.
فالحربُ على "تنظيم الدولة" سواء في سوريا هي حربٌ قائمةٌ تحت مظلة التحالف الدولي ولا تخرج عن ذلك "درع الفرات" و"غضب الفرات" وإن كانتْ تركيا تقودُ الأولى وتشاركُ فيها عسكريًّا وتعتمدُ على فصائل من الجيش الحر وبخاصةٍ من أبناء تلك المناطق التي يسيطرُ عليها تنظيمُ الدولة بعد تحريرها من النِّظَام، إَّلا أَّن الثانية "غضب الفرات" تقودُها وتشرفُ عليها هي الولاياتُ المتحدة الأمريكية وأنَّ "قسد" التي درَّبتها أمريكا وتعتمدُ عليها بهذه العملية لمْ يكنْ لها أي دور في تحرير تلك المناطق من يد النِّظَام قبل أنْ يُسيطرُ عليها "التنظيمُ" بل العكس كان لبعض القوى فيها تواصلٌ مستمرٌّ مع النِّظَام وتفاهماتٌ لمْ تنقطعْ وأنها كانت في الغالب على عداوة مستمرة للقوى الثورية وتستغل ظروفَ المعارك لاقتناصِ الفرص لمحاربتها وتحقيق تقدمٍ على حساب المناطق المحررة كما في "تل رفعت" وريف مدينة إعزاز أثناء قيام التحالف الروسي الإيراني والنِّظَام بمعركة فك الحصار عن نبل والزهراء.
إنه من خلالِ الإعلان عن "غضب الفرات" من قبل "قسد" وتعارضه مع ما صرَّحَ به المسؤولون الأمريكيون الذين زاروا أنقرةَ وكشفوا عن وجود خطةٍ استراتيجيةٍ مع تركيا تتعلَّقُ بمراحلِ معركةِ الرقة التي لا يمكنُ استثناءُ تركيا بسب طبيعةِ التحالف الاستراتيجي بين الدولتين الذي مِن الخطأ النظرُ إليه من خلال زاوية العلاقة التي تقيمها الدولُ مع تنظيماتٍ لها دورٌ وظيفيٌّ تُراعى فيه بعضُ مصالحها المحلية التي تعطيها الدافع على الحركة في إطار المصلحة الكبرى للدولة الداعمة والمشرفة عليها، ولكن إن كان ذلك من البديهياتِ في العلاقات الدولية إلا أنَّ اللغطَ الكبير في المقارنة بين العلاقة التي تربطُ الولايات المتحدة الأمريكية "بقسد" كتنظيم وتركيا كدولةٍ فيما يتعلقُ بمحاربة التنظيم بسوريا من كونِ أنَّ "وحدات الحماية الشعبية الكردية" القوة الجوهرية "لقسد" مصنفة لدى تركيا على أنها منظمة إرهابية تهددُ الأمنَ القومي التركي، حيث كانَ الالتباسَ الحقيقي من هنا، إذ كيفَ أنَّ أمريكا تدعمُ تنظيمًا سيكونُ لتنامي قوَّته المادي والجيوسياسي خطرًا على دولةٍ حليفةٍ لها في المنطقة لا يمكنُ الاستغناءُ عن دورها فيها، ولهذا لمْ يقعِ الالتباسُ في الدعم الأمريكي لبعضِ التنظيمات العسكرية التي تعملُ ضمنَ "درع الفرات" بشكلٍ مباشرٍ.
فالإشكاليةُ بينَ "درع الفرات" و "غضب الفرات" تأتي من ناحيتين: الأولى تتعلَّقُ بالعلاقة التركية بـ ـ"قسد"، والثانية بعلاقة القوى الثورية لاسيما العاملة ضمن "درع الفرات" "بقسد". أما من ناحيةِ تشابه الدور الوظيفي بين القوى العاملة في عمليتي "درع الفرات" وقوى "غضب الفرات" فهو في الأصلِ ناتجٌ عن صراعٍ تنافسي وجودي محلي على الجغرافيا السياسية في الشمال السوري، وهذا الصراعُ هو الذي دَفَعَ بالجميع إلى هذا الدور الوظيفي من حيث محاربة تنظيم الدولة الذي يؤدي بهما إلى القيام بعمل تكاملي يلتقي فيه الطرفان وتجمعهما عليه مصلحةٌ واحدةٌ من دون تنسيق بينهما ضمن قطاعات عمل منفصلة رسمت خرائطها ومراحلها كلٌّ من القيادتين التركية والأمريكية معًا وَفق تقاطعِ استراتيجيات كل منهما.
وهنا تجدرُ الإشارةُ إلى تخوفاتٍ كبرى لأنَّ معاركَ "درع الفرات" وغضب الفرات" تخرجُ عن دائرة الثورة والمعارك بين الفصائل العسكرية والنِّظَام وبخاصةٍ أنها تبتعدُ بشكلٍ متسارعٍ عن المعارك الفاصلة معه لاسيما في مدينة حلب وفي المناطق الأخرى التي تتصاعدُ فيها الأحداثُ العسكريةُ يومًا بعد يوم، هذا يؤدي إلى الابتعاد والانفصال بين مشهدينِ يَجريانِ على الساحة السورية يكونُ الثاني فيهما على حساب الأول، وربَّما تكونُ معركةُ الرقة هي الفرصة التي تنتظرها روسيا وحلفاؤها من أجل حسم الحرب في مدينة حلب والوصول إلى النهايات التي تريدها!.

الدكتور جبر الهلُّول

"قُوَّاتُ سوريا الديموقراطية" ومعركةُ الرقةِ مِن جديدٍ!!

0
"قُوَّاتُ سوريا الديموقراطية" ومعركةُ الرقةِ مِن جديدٍ!!
إنّه كان من المُتوقّع إعلانُ معركةِ "تحرير الرقة" ضدَّ تنظيم الدولة بعد إعلانِ معركة "تحرير الموصل" من التنظيم نفسِه للارتباط الوثيق عسكريًّا وسياسيًّا بين المعركتين، وذلك قُبيلَ بدءِ الانتخابات الرئاسية الأمريكية لدوافعَ سياسيةٍ داخلية، وإنْ كانت هذه المعركةُ سواء كانت في الموصل أو في الرقة تَجري وَفقَ خطةِ الاستراتيجية الأمريكية الخارجية في المنطقة وضمن أولوياتها في إدارة الصراع والتحكم به.
 فإعلانُ معركة تحرير الرقة بغضِّ النظر عن التوقيت السياسي لها ومدلولاته وأبعاده، فهي من خلال مجريات الأحداث المتصاعدة عنفًا وتوحُّشًا ما هي إلا مرحلة من مراحلَ سبقتها في سياق الحرب على "الإرهاب" الذي تَزْعمه الولاياتُ المتحدة الأمريكية في المنطقة وتَقودُ تحالفًا دوليًّا من خلال حملةٍ أسمتها بـ "العزم التام" ضدَّ تنظيم الدولة في العراق وسوريا. حيث مِن المعلوم في سياقِ مجريات هذه الحرب على "الإرهاب" أنَّ تحالفَ ما سمي بـ"العزم التام" هو عنوانُ الحملة التي تقودُها أمريكا ضدَّ التنظيم في العراق منذ (15/10/2014) ومن ثم جاءتْ حملةُ قُوَّات التحالف الدولي في القصفِ الجويِّ ضدَّ التنظيم في سوريا في (7/8/2015) تحت الاسم نفسه، ثمَّ إنَّ ما أعلنَه المُتحدّثُ باسم هذا التحالف "ستيف وارن" في (24/5/2016) عن بدءِ معركة تحرير ريف الرقة وأن "قُوَّات سوريا الديمقراطية" – "قسد" اختصارًا – هي مَن ستقومُ بتلك المعركة التي انطلقتْ بها مباشرة، لكن سرعانَ ما تحوَّلتِ المعاركُ بعد انطلاقها بأسبوع في الشمال الغربي من الرقة بالقرب من عين عيسى إلى غرب نهر الفرات نحو ريف مدينة حلب الشرقي حيث وصلتْ إلى منبج التي ما إنْ انتهتْ "قسد" مِن انتزاعها مِن التنظيم بعد معارك ضارية حتى أعلنتْ تركيا بالمقابل عن حملةِ درع الفرات في (24) من شهر آب الماضي ضدَّ تنظيم الدولة وطالبتْ بالوقت نفسه منْ قُوَّاتِ "قسد" بالانسحاب مِن منبج والعودة إلى شرق نهر الفرات مِن أجل قطع الطريق على طموحها في السيطرة على الشمال السوري ووصْلِ عفرين بكوباني، لما يشكِّلُ ذلك من خطرٍ على الأمن القومي التركي من جهةٍ، ويشكِّلُ عامِلَ تحدِّي وتفعيل لعوامل صراع جديدة على أسسٍ قومية في منطقة عُرفت بالتعدد القومي العربي والكردي والتركماني ... ضمنَ مظلوميَّات كامنة لها أسبابُها التاريخية المعاصرة التي ما زالت تُجيّر لصالح التنافس والصراع الدولي والإقليمي كورقةٍ من أوراق اللعب في المنطقة التي يُعاد رسم خرائطها الجغرافية والديموغرافية. ولعلَّه مِن هنا تأتي أهميَّةُ معركة الموصل والرقة على وجه التحديد التي تحرصُ الكثيرُ من الأطراف الدولية والإقليمية على المشاركة بها لاسيَّما تركيا وإيران وكذلك تأتي الأهمية الوظيفية في اختيار الأطراف المحلية فيها من قبل تلك الأطراف الدولية الإقليمية لتقاطع مصالحها ووجود الدافع المحرض عندها لخوضها.
لهذا كان من الطبيعي وكما أوكلت أمريكا مهمةَ معركة الرقة إلى قُوَّات "قسد" أن توكل تركيا المهمة الأساسية لدرع الفرات إلى الجيش الحر مِن أبناء تلك المنطقة على وجهِ الخصوص الذين كانَ لهم السبق في تحريرها من النِّظَام قبل سيطرة التنظيم عليها منه. وأن يكون التقدمُ الذي أحرزته "قسد" تحت مظلة التحالف الدولة لاسيما في مدينة منبج عاملَ استفزاز واستنهاض لأخذ زمام المبادرة من جديدٍ لاستعادة المناطق من سيطرة تنظيم الدولة للحؤول دون سقوطها بيد "قسد" لاسيما بعد إدراك أنَّ التوجه الدولي حَسَمَ موقفَه من الدور الوظيفي لتنظيم الدولة بعدما أنجزَ وحقَّقَ الغرضَ مِن وجوده في هذه المنطقة وأنه آنَ أنْ يَنحسرَ هذا الوجودُ منها إلى أماكن أخرى، ولهذا لابد للأطراف الدولية من إكمالِ تنفيذِ خطة استراتيجياتها، والدولِ الإقليمية إثبات فعالية دورها المؤثر، والأطراف المحلية أن تأخذَ دورَها المناطقيّ الذي يتناسبُ مع المرحلة القادمة التي يحضر لها في الشمال السوري وتُسْتَفزّ لذلك عن طريق التحدي المتكافئ في القوة والمصالح وتَقْبل العملَ من دون شروطٍ وإن اضطر الأمرُ تحتَ مظلة التحالف الدولي التي يَعملُ معها الطرفُ الآخر التي لطالما رُفض العمل تحتها قبل ذلك التحدي لأبناء المنطقة أنفسهم وتهديد وجودهم فيها!.
إن ما أعلنته "قسد" يوم الأحد (6/11/2016) عن إطلاق عملية "غضب الفرات" جاء في إطارِ ما أعلنتْ عنه قيادةُ القُوَّات الأمريكية في الشرق الأوسط، كمرحلةٍ أولى لعزل مدينة الرقة أولًا، وإذا كان الإعلانُ مفاجئًا لبعض المتابعين بسبِ الاعتراض التركي على مشاركة "قسد" في معركة تحرير الرقة، إلا أنَّ قراءةَ تلك الخطوة لا تخرجُ عن السياق السابق، وبخاصةٍ أنَّ الخطواتِ الأمريكيةَ اللاحقةَ أشارتْ إلى ذلك وأوضحته، لاسيما أنَّ زيارةَ رئيس أركان الجيش الأميركي "جوزف دانفورد" إلى أنقرة، تزامنًا مع ما أعلنته "قسد" عن بدء المعركة أشارت إلى أنَّ الذي أعلنَ المعركةَ هو الولاياتُ المتحدة الأمريكية وما كان ليتمَّ ذلك الإعلان مِن دون أن يتمَّ الاتصالُ والتنسيق مع تركيا. وأنَّ ما صرَّحَ به المبعوثُ الخاص لقُوَّات التحالف الدولي ضدَّ تنظيم الدولة "بريت ماكغورك" أكَّد ذلك بقوله: إنَّ "أقلَّ ما يمكن أنْ يُقال هو أنَّ ظروف العمل في سوريا معقدةٌ، لكننا على تواصلٍ بشكلٍ مستمر مع جميع الأطراف". وتابع: "نودُّ أنْ يكونَ هناك تنسيقٌ قدر الإمكان مع علمنا بأن هناك خليطاً من القوى في الميدان، والعديدُ من تلك القوى لا تلتقي وجهًا لوجه لكنها تشتركُ في كونِ عدوها واحداً ولا يزال مميتا". لذا يراد من هذا الإعلان عن طريق "قسد" في إنجاز هذه المرحلة التي هي جزءٌ من مراحلَ قادمةٍ من معركة تحرير مدينة الرقة التي يتخذها التنظيمُ عاصمةً له، ولهذا أكَّدَ مسؤولون أميركيون على استمرار المباحثات حول مَن سيتولَّى المهمةَ ميدانياً، بعد استعادة المدينة من التنظيم، واعتبروا أنَّ مسؤوليةَ اقتحام المدينة تعودُ بشكل أساسي لقُوَّات عربية، لأنَّ المدينة عربية، وأعلن المتحدثُ باسم التحالف الدولي أنه عندما يتعلق الأمرُ بمدينة الرقة، فالتحالفُ يريدُ أن تكون القوةُ التي تحرر المدينةَ في نهاية المطاف قُوَّاتٍ عربيةً. وقال: "لهذا قمنا بتدريبِ العديد من هؤلاء المقاتلين وسوف نستمرُّ بتدريب المزيد منهم". وفي السياق نفسه أكَّدَ رئيسُ الأركان الأمريكي: "أن التحالفَ الدولي سيعمل مع تركيا على إعداد خطةٍ بعيدةِ المدى من أجل تحرير الرقة والمحافظة عليها وإدارتها".
إنَّ إعلانَ "قسد" عن معركة "غضب الفرات" كمرحلةٍ من مراحل معركة الرقة التي يقومُ بها التحالفُ الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تحت اسم "العزم التام" ما هو إلا إعلان أمريكي تكتيكي يخدمُ متطلباتِ المعركة ويستثمر التناقضاتِ بين الأطراف المحلية وتعارض مصالحها وأهدافها فيها، وكما فعَّلت تلك الخطوة "درع الفرات" سيكون لها تأثيرها الكبير في تفْعيلِ معركة الرقة لاسيما في جانبها العشائري العربي من جهةٍ وفصائل الجيش الحر وعلى وجه الخصوص أبناء المنطقة الشرقية من جهةٍ أخرى.
 فما أعلنتْه "قسد" من معركةٍ تحت اسم "غضب الفرات" سيكونُ كافٍ لتحريك حملةٍ واسعةٍ من أجل الاستعداد لدخول معركة الرقة مقابل استبعاد "قسد" أو سباقها نحوها، لكن كيف إذا حقَّقتْ "قسد" نجاحاتٍ ميدانيةً على الأرض واقتربتْ من المدينة وفرضت عليها حصارًا من بعض جهاتها وبدأت تطرق أبوابها؟!!..
الدكتور جبر الهلُّول